في ركنٍ من هذا المجانِ الفسيح
أعرف أنّ نسوراً ملكيّة تجوب الأفق
وددتُ لوأنّ الكوخ الرّاقص في أحداقها بيتي
أنا على استعداد لأدفع حُلمي- ولا أعبأ –
قربانَ خاطرة
تومض كالبرق وتمضي:
امرأةٌ تحمل سلّة من قصب، تسير في الغابة بمفردها
حافية القدمين،تئنّ كأنّ السلّة ملآنة
كلّما عبر نسر في الجو ندّ عنها صوت يشبهها
قبل أن تُخطف الومضة منّي
أبتسم للمرأة وتُمطر
وأقول لا بأس إن متُّ ولم أجنِ الفانيليا
**
أعرفُ أيضاً أنّ هناك أرضاً موحلة
ثمنُ الفأس يُساوي فيها سبع حبيبات ماسيّة
أشتهي حدّ البكاء أن أحتسي كأساً
مع العمّال نخب نكبتنا
قبل أن تحترق أمنيتي- ولا أبالي –
أمرّر يدي جيئة وذهابا فوق شبكة المنخل اليدويّ
**
لا مانع أيضا إن متّ ُ ولم أركب قطاراً في موسكو
ولم أقف فوق جسر خالٍ
ساعةً حَسَبَ توقيت الضّباب
مع فتاة شقراءَ تلبس معطفاً أسود
يحرِّم الضّعفُ حاجتنا للقوّة، فمن أقوى؟
**
بين نسي ونسي أفكّر بالنّيل،
أعرفُ أنّ في قلبه الآن زورق
أكاد أراه؛ يقترب بهدوء من ضفّة تُربتها قهوة
يقتلني – ولا أموت –
أن أموت ولا أجدّف معهم.
وأقول:
حولنا السُّنَنُ والمعجزات والبدع وفينا الغرائز
سأصبر، لا أحد قضى حسرة لأنّه لم ينزح
**
أتضوّر رغبة بأن ألغي سُنّة اختلاق الأعذارِ للغبن بأنفسنا
أنا أنا، والباقي عدوّي
مع ذلك أرضى بدكّة جدّي
غير منزعج ما دمتُ أفترش إيمانه
**
عشيرتي علّمتني أنّ العصفورين بحجر واحد فخّ وطنيّ..
أهلا بكلّ الحرمانِ إذن
صار لي رأس كباقي الرّؤوس
**
حول قصرِ فرساي حديقة
وددتُ لوأنّ المُزارع المرح
الذي يحيّيه السّياح كلّ صباح أنا
لستُ أجهلُ أنّ هناك وراء النّجد كرنفالاً وبهجة
أُريد أن أُقذف فيه.. أُريدُ أن أفرح مثلهم
وفي الحالتين أنجو من المسّ
أنجو لأنّي توقّعتُ نجاتي
**
لا داعيَ لأسرد كلّ الرّواية، سأكتفي بالفصل الأخير
حكّموا السّنن والتّعاليم ودستور الغبن وقدرةَ العجزِ
ما المُستحيلُ عدا ما اشتهيتُ منذ بدء الحكاية؟
ما النّقصُ إن جاز جنوني؟
الزّغب الذّهبيّ على زند السّمراء يَختزل الرّواية
اليوم رأيتُ السّمراء تتحقّق
رأيتُها تتأبّط ذراعَه
رأيتُ صورتهُ ترقصُ في أهدابها
ما معنى أن تتحقّق السّمراء؟
أيّ معنى لاحتمال كهذا؟
السّمراءُ لم تتحقّق.. كذِبَت الدّهشة
إن هو إلاّ المعنى بلا وظيفة.
* كاتب وقاص وشاعر من تونس
