أبو ذكرى: التحليق صوب الأرض
“هَا أَنَا أَنْقُلُ أنْوَارِي فِي اللَّيْلِ
وَأرْجُو الصَّيْفَ وَالنَّجْمَاتِ وَالدُّنْيَا الغَرِيقَة
هَا أنَا أنْتَظِرُ البَعْثَ هُنَا كُلَّ مَساءٍ
هَكَذَا.. كُلَّ مَسَاءْ”
– أبو ذكرى –
صباح الخامس من نوفمبر 1989، وبعد أن انتهى من إحراق قصائده وأوراقه؛ قفز الشاعر السوداني، عبد الرحيم أحمد عبد الرحيم، المشهور بـ”أبو ذكرى”، من نافذة غرفته في الطابق الثالث عشر من مبنى “أكاديمية العلوم السوفييتية”. حلَّق لثوانٍ – وهو المفتون بالتحليق والسماوات والأعالي في شعره – مخترقاً هبّات رياح شتاء موسكو البكر، قبل أن يرتطم برصيف شارع “أوسترافيتيانوفا”، مخلِّفاً بقعة دمٍ، وسؤالاً كثرت محاولات الإجابة عليه، وألماً عَبَرَ آلاف الأميال حتى السودان، ليستقر بجانب أحزان أخرى، لمّا تبرأ بعد، في ذاكرة الأدب السوداني.
كان هذا العام، 1989، نهاية حقبة؛ وبؤرة انطلقت منها التحولات القادمة، التي انتهت إلى أن يدير العالم ظهره لروح اليسار الستينية، قبل أن تتمثَّل ذروة تلك النهاية بعد خمسة أيام فقط من موت “أبو ذكرى” – المتذمِّر من البريسترويكا – في سقوط جدار برلين، ثم ما تلاه من أحداث غيَّرت وجه التاريخ. أما في السودان؛ فكانت قد مرت أربعة أشهر على سقوط الديمقراطية للمرة الثالثة في شباك العساكر.
ولد “أبو ذكرى” في “تنقسي” بشمال السودان عام 1943، ودرس في “كوستي” جنوبي السودان، و”خور طقت” في وسط السودان، ثم كلية الآداب جامعة الخرطوم، ومنها إلى جامعة الصداقة في موسكو أيام الاتحاد السوفيتي، حيث تخرج فيها بماجستير في اللغة الروسية وآدابها، بعد أن نال قبل ذلك دبلوم الترجمة بين الروسية والعربية في عام 1971، وعاد بعدها ليعمل أستاذاً غير متفرغ في كلية الآداب جامعة الخرطوم، وسكرتير تحرير ومشرفاً على مجلة “الثقافة السودانية” بين عامي 67 – 1978، قبل أن يعود إلى الاتحاد السوفيتي لينال درجة الدكتوراه في فقه اللغة عام 1987 من أكاديمية العلوم بموسكو عن “خصائص الترجمة من اللغة الروسية نظرياً وعملياً في أدب أنطوان تشيخوف وترجماته منذ عام 1904-1987”.
وأصدر “أبو ذكرى” ديوانه “الرحيل في الليل” عام 1973 عن دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر.
مثَّل انتحار “أبو ذكرى” صدمة ذات شجن خاص لمثقفي السودان، غطّت بعاطفيتها -برأي الناقد السوداني جابر حسين – على وجوب النظر في شعره خارج منظور المأساة.
وفي ما يتعلق بتفسير انتحاره، يقول جابر إنه تم النظر إلى “أبو ذكرى” وكأنه ظل يحمل بذور انتحاره طي شخصيته طوال حياته، في حين يرى جابر أن ثمة فترتين من حياة “أبو ذكرى”، ظل في الأولى، حتى نهاية الستينيات، محتشداً بالحياة ولم يعرف اضطراباً ولم يعش احتداماً يفضي إلى الانتحار، عكس الفترة اللاحقة، التي بلغ فيها اكتئابه ذروته عام انتحاره، وفقاً لروايات من قابلوه أيامها.
إلا أن ثمة رأياً مختلفاً، وإن كان يستبعده الكثيرون، يورده لنا المخرج السينمائي والمنتج في قناة “الجزيرة”، وجدي كامل، نقلاً عن الدكتور محمد عبد المطلب الذي زامل “أبو ذكرى” في موسكو منذ أيام دراسته الأولى، حيث يعتقد عبد المطلب أن “أبو ذكرى” لم يقفز من النافذة بل تم دفعه. ويبرر عبد المطلب اعتقاده هذا بأن “أبو ذكرى” قفز بنعل حذاء واحد بينما ظل الآخر تحت النافذة، مشيراً إلى أن في تلك الأيام انتشرت ظاهرة إلقاء الطلاب الأفارقة من نوافذ الطوابق العليا للداخليات، بل إن ذلك حدث في الداخلية التي تجاور داخلية “أبو ذكرى” قبل يوم من موته.
إلا أن عبد المطلب يقرّ، مع ذلك، بأن “أبو ذكرى” كان في الإجازات الصيفية يزور إحدى المصحات النفسية، وهو أمر أخفاه من الناس ككثير من تفاصيله الخاصة. إذ يصفه وجدي كامل، الذي زامله في آخر أيامه في موسكو، بأنه لم يكن يتطرق إلى أموره الشخصية مع الآخرين، فقد كان “قليل الكلام، تتحدث بسماته ولغة عينيه أكثر من فمه، ولكنك تحس بوداعته وبساطته كإنسان” كما يقول وجدي.
عُرف “أبو ذكرى” بالنبوغ في مجالي الشعر والترجمة، ووصفه أستاذه في “أكاديمية العلوم السوفيتية”، البروفيسور شاغال، بالذكاء النادر والموهبة الرفيعة، وهو ما جعل “دار التقدم” في موسكو تختاره لترجمة “معجم المصطلحات الأدبية” من الروسية إلى العربية، إلا أنه رحل قبل إنجاز هذا العمل.
تمثل قصيدة “الرحيل في الليل” التي يحمل ديوانه اسمها، نموذجاً لشعر “أبو ذكرى” وعوالمه، وهي القصيدة التي انتشرت بصوت مغني اليسار السوداني في التسعينيات، مصطفى سيد أحمد، إذ تحمل الكثير من خصائص شعره، وتبيِّن منظاره القاتم الذي يرى به العالم.
مرّ “أبو ذكرى” سريعاً بالحزب الشيوعي السوداني، إذ سرعان ما استقال منه مسبباً الاستقالة في لباقة بـ”ظروفه الصحية غير المواتية”، وإن ظلت له مواقف مساندة لقضايا اليسار. وفي هذا يقول الشاعر السوداني، كمال الجزولي، الذي زامل “أبو ذكرى” إبان دراستهما في موسكو، في كتابه: “أبو ذكرى: نهاية العالم خلف النافذة” إن وجدان عبد الرحيم “لم يتعلق “بثورة محددة”، كما وإنه لم يراهن على “نظام بعينه” غير أن التوق “للثورة= فعل التغيير” و”النظام = الوجود المغاير” ظل يحلّق بشعره صوب آفاق إنسانية شديدة الجدّة والاتساع”. ويقول جابر حسين: “من المعلوم عن “أبو ذكرى” ولعه في طلب الحرية، بل والنضال من أجلها، يفعل ذلك في حدود وجوده الذاتي”، لذا كانت عوالمه الشعرية ذات انتماء فكري للديمقراطية والتقدم والحرية، كما يذهب حسين في التفصيل.
برغم التعاطف الذي أحدثته واقعة انتحاره – غير المعتادة في السودان – إلا أن قصيدة “أبو ذكرى” أخذت مكانتها في الشعر السوداني بسبب قوتها وجودتها، برأي الدكتور تاج السر الحسن، وليس لما اكتنف حياة شاعرها من منعطفات انتهت برحيله.
ويرى الناقد السوداني، عبد القدوس الخاتم، أن “شعر “أبو ذكرى” يمكن تصنيفه ضمن السهل الممتنع الذي يعزُّ على نظرائه من الشعراء في هذا المنحى”. مشيراً إلى قربه من الشاعر اللبناني المهجري إيليا أبو ماضي، الذي كان من قرائه، وافتتانه بالدقة والبساطة في أشعار باسترناك وآنا أخماتوفا وآخرين.
إلا أن الميزة الأبرز في أشعاره، برأي الخاتم، تمثلت بكونها “تتسم بعنف اللغة والحدة المعنوية”، ويرى أن أثر الشاعر الروسي المنتحر ماياكوفسكي، يبدو جلياً في لغة “أبو ذكرى”، الذي كان قد ترجم قصيدة مايا «غيمة في بنطلون» ترجمةً يصفها الخاتم بأنها كانت “غاية في الدقة والإتقان”.
بعد ربع قرن من موته، يظل “أبو ذكرى” حتى اليوم، أرضاً خصبة للدراسات والكتابة عنه وعن شعره، فهو لا يزال – كما يقول – ينْتَظِرُ البَعْثَ كُلَّ مَساء.
* كاتب وصحفي من السودان
انظر أيضاً: