ثمار

الخطاب الإبداعي النّاطق بالعربيّة وإشكاليّة توطين اللغة العربيّة في السّودان

محمد جلال هاشم

مقدّمة منهجيّة:
تتناول هذه الورقة بالوصف والتّحليل عناصر وتركيبة الخطاب الإبداعي في السّودان عبر جنسين أساسيّين هما الشّعر والنّثر. ونعني بالخطاب ما نفترض أنّه تيّار (أو تيّارات) قد انبثق وأفصح عن ذاته عبر العديد من الإسهامات في مجالي النّثر والشّعر. ونقصد بالشّعر ما اجترحته القرائح على أنّه شعر بصرف النّظر اتّفقنا مع ذلك أم اختلفنا؛ أكان عموديّاً، أم تفعيليّاً، أم نثريّاً، أم خلافه. ونقصد بالنّثر ما خطّته الأقلام في أبواب الأدب والكلام، من مقال، ونقد، وقصّة، ورواية، ومسرح إلخ؛ أي ما لم يُجترح على أنّه شعر. وقد حصرنا كلّ ذلك في هذين الجنسين الإبداعيين لأنّهما يلعبان دوراً محوريّاً كيفما انداحت دائرة الإبداع واتّسعت آفاقُها. ثمّ لأنّه من اليسير ضرب، وتقديم الأمثلة الدّالة والموضّحة لوجهات النّظر عبر هذين الجنسين.
كما حصرنا دراستنا فيما رفدت به اللغة العربيّة في السّودان عبر هذين الجنسين، لسبب وجيه وعملي. فمع أنّه يمكن عمليّاً أن تتناول الدّراسات العلميّة، مثلاً، أدب الدّينكا (أو أدب أيّ مجموعة ثقافيّة أخرى) من شعر ونثر، إلاّ أنّه ربّما لا يكون من اليسير، أو الممكن حتّى، الوقوع على نصوص تتيح فرصة طيّبة للمقارنة بين عدّة مراحل وخطابات داخل حقل اللغة نفسها. والسّبب في ذلك، جانباً عن تقاصر مجالات التّوثيق إن لم نقل الإهمال الرّسمي والشّعبي، نجد أنّ هذه مثل التّجربة تمثّل مركز هويّتها من حيث كونها تجربة إبداعيّة غير مسافرة في بعدي الزّمان والمكان، أي أنّها متوطّنة. هذا بينما تتيح لنا التّجربة الإبداعيّة عبر اللغة العربيّة فرصة طّيبة لمقارنتها وهي في حال مركز هويّتها لمّا تُبارح الجزيرة العربيّة قبيل وبعيد الإسلام، مروراً بتغريبتها عبر البلاد والأمصار من قارّة إلى أخرى، إلى أن وصلت إلى بلاد السّودان. فهل توطّنت ههنا وههنا، أم استعصى عليها ذلك.
تستند هذه الورقة في بعض جوانبها على مناقشات جرت في موقع (سودان للجميع) الإلكتروني، مثل محاوراتنا لقصي مجدي سليم بخصوص مفهوم التّجاوز في الفعل الإبداعي، كما في الرّابط:
http://www.sudan-forall.org/forum/viewtopic.php?t=1095&highlight=&sid=e7342c32a904baf41c89fac5526f59de
وكذلك محاوراتنا لحسن موسى في نفس الموقع بخصوص الشّعر والهتاف، والذي استعرضنا في محاورات سابقة جرت بيني وبين بشرى الفاضل، وذلك في الرّابط التّالي:
http://www.sudan-forall.org/forum/viewtopic.php?t=1059&highlight=&sid=e7342c32a904baf41c89fac5526f59de

توطين اللغة العربيّة بين التّجويد والجنجويد
يستند كلامنا في مسألة توطين اللغة العربيّة في السّودان على ورقة كنّا قد قرأناها في منتدى الفولكلور عام 2002م بعنوان “إشكالات توطين اللغة العربيّة في السّودان”، فعسى أن نعكف عليها في مقبلات أيّامنا، فننجزها بأحسن ممّا عليه الورقة الحاليّة. ومستوى اللغة لعربيّة التي نعنيها هنا ليس الفصيح فقط، بل يدخل معه المستوى العامّي. وهذه مسألة تدخل ضمن قضايا المركز والهامش؛ فإذا كان المركز يتسلّح بالأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، فهذا لا يعني احتفاءً حقيقيّاً بالإسلام أو العروبة. فالمركز، ممثّلاً في الصّفوة وطبقة الأفنديّة ومن ثمّ المراكز الحضريّة بوصفها بؤراً مركزيّة، لا يتكلّم بأيٍّ من لهجات المجموعات العربيّة، كانت في الشّمال كلهجة الشّايقيّة أو الجعليّين، أم كانت في الغرب كلهجة البقّارة في كردفان ودارفور، أو حتّى لهجة المجموعات الأخرى مثل الشّكريّة أو الكبابيش. فاللغة العربيّة التي تتكلّمها المراكز الحضريّة تختلف عن جميع تلك اللهجات التي يتمّ تهميشها بنفس المستوى التي تُهمّش فيه لغات المجموعات غير العربيّة.
على هذا يتوقّع المرء أن تقوم صفوة المراكز الحضريّة عبر وسيطها اللغوي العربي بدور القيادة في تفريخ وتوليد الدّلالات الخطابيّة ومفرداتها القياسيّة بما يخدم الأوضاع الثّقافيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة وفق تيّار الحداثة التي تروده، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس في الإنتاج الإبداعي طالما كان في مجمله يصبّ عبر وسيط اللغة العربيّة. فنظرة سريعة للتّعبيرات الخطابيّة التي تتميّز بها هذه الطّبقة تكشف لنا فقراً مريعاً. فأغلب هذه التّعابير Locutions إمّا أن تكون قد وفدت إلينا من مصر، أو أن تكون قد رفدت بها طبقة تقبع في أدنى السّلّم الاجتماعي الذي تقف طبقة الأفديّة على قمّته؛ هذه هي طبقة الميكانيكيّة ومساعدي اللواري وكماسرة البصّات، ثمّ انضمّ إليهم في عقد الثّمانينيات من القرن العشرين الشّمّاسة. انظر إلى هذه التّعابير: “على الحديدة”، بمعنى الفلس؛ “تمام”، بمعنى كلّ شيء على ما يرام؛ “فَلَلِي”، بمعنى “سريعاً”؛ “استنكاح”، بمعنى “استهبال”؛ “ضارب الرّاحات”، بمعنى الاستمتاع بالشّيء مع انتهازيّة؛ “مستكين” بنفس المعنى السّابق. وهكذا يمكن أن نعدّد قائمة قد تطول وتملأ الصّفحات مما ترفد به هذه الطّبقات التي لم تجد حتّى الاعتراف بدورها في تسبيك أحاديثنا بما يلزم من بهارات الكلام. هناك بعض المفردات التي جرى توطينها إلى حدّ كبير، حتّى أصبحت تُستخدم كما لو أنّ النّاس قد نشأوا عليها منذ القدم؛ هذا مع أنّها في الواقع تكشف عن عمليّة الاغتراب والاستلاب التي ينطوي عليها هذا التّوطين نفسه. فقد تخلّت طبقة الأفنديّة والمراكز الحضريّة عن الصّيغة السّودانيّة لمناداة الأم والأب، وبخاصّة في وسط السّودان (يُمّة، يابا)، ليتبنّوا في المقابل الصّيغة الحداثويّة التي وفدت إلينا من مصر (ماما، بابا). والآن هناك منحى للتّخلّي عن صيغة (حبّوبة) في مناداة الجَدّة، والعدول عنها إلى الصّيغة المصريّة (تيتا). ويعكس لنا تراوح هذه الطّبقة في فقرها القاموسي ما بين قطبين متناقضين، أحدهما محبوب ومعجب به (مصر) والآخر مستهجن ومزدرى به (الميكانيكيّة، الكماسرة، الشّمّاسة إلخ)، شكل التّناقض المريع الذي تعيشه.
فإذا كان هذا هو نصيب اللهجات العربيّة العامّيّة في السّودان من التّوطين في مشروع الحداثة الذي تقوده هذه الطّبقة العرجاء الفقيرة، فكيف تُرى حال اللغة العربيّة العالية؟ وأثر اللغة في الإبداع كبير ما في ذلك شك، بخاصّةٍ إذا كان الأمر يتعلّق باللغة التي تُستخدم كوسيط للتّعبير الإبداعي، مثلما هو الحال مع اللغة العربيّة، فصحى وعامّيّة. فمثلاً عادةً ما تعجز الدّراما عن أن تقدّم لنا نصّاً ناجحاً إذا ما استخدمت تعابير للغة غير موطّنة. وهذا هو السّبب وراء غياب لهجات عربيّة مثل لهجات البقّارة عن الدّراما؛ كما هو نفسه السّبب وراء سعي طبقة الأفنديّة والمراكز الحضريّة في هذا الشّأن لاستخدام لهجات المجموعات العربيّة القاطنة بوسط السّودان، وذلك تحايلاً لاصطناع لغة عربيّة موطّنة للمركز. ومن قبيل ذلك أيضاً غالب الرّواج الذي تحظى به أغنية الشّايقيّة. ولكن مشكلة المركز تكمن في أنّ هذه تبنّي هذه اللهجات إقليميّة التّوطّن من شأنه أن يجذب طبقة الأفنديّة والمراكز الحضريّة إلى الرّيف؛ فهذا هو نفس الرّيف الذي قامت الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة على تحاميه، أفريقيّاً كان أم عربيّاً، بغية إعادة إنتاجه. فضلاً عن ذلك، فاللهجة التي يتكلّم بها الأفنديّة وسكّان المراكز الحضريّة تختلف بالفعل عن هذه لهجات الرّيفيّة. في نفس الوقت ليس من المقبول بالمرّة أن تشرع هذه الطّبقة في التّحدّث باللهجة المصريّة. نعم هناك الكثير من المشاكل التي تعترض طريق الدّراما السّودانيّة المتطوّرة عن طبقة الأفنديّة والمراكز الحضريّة، لكن ما ينوب مسألة اللغة في هذا الشّأن كبير ومحوري فيما أرى. فليس أكثر من ذلك أنّنا احتجنا إلى ممثّل مصري ليقوم بدور عثمان دقنة في مسلسل تلفزيوني. وليس أدلّ على ذلك من أنّ الأعمال القصصيّة التي تعتمد على اللهجات العربيّة المتوطّنة إقليميّاً تجد رواجاً ونجاحاً (إبراهيم إسحق)، وبخاصّةٍ تلك التي تتناول قضايا الطّبقات الدّنيا اجتماعيّاً، وهي ذات الطّبقات التي ترفد طبقة الأفنديّة بتعابيرها الخطابيّة (بركة ساكن، أبّكر آدم إسماعيل).
ولكلّ هذا جاء عطاء هذه الطّبقة في مجال اللغة العربيّة الفصحى (أي أكثر مستوى من اللغة غير متوطّن)؛ ففيها سجّلت العديد من نقاط النّجاح والتّفوّق توازيها نقاط أخرى من الفشل والإخفاق. وهذا ما سنحاول تلمّسه في هذه الورقة عبر الشّعر والنّثر.

الهتاف على فنن الشّعر
في محاوراتنا حول هتافيّة الشّعر الأكتوبري، من قبيل شعر محمّد المكّي إبراهيم ورفاقه الأكتوبريّين، تساءل حسن موسى بموقع السّودان للجميع الإلكتروني عمّا يُعيب الشّعر في حال كونه عامراً بالهتاف. هذا السّؤال يبدو بسيطاً تسهُل الإجابةُ عليه، حتى إذا ما شرع المرءُ في تدبيج الإجابة السّهلة قفزت عليه من بِرْكة أفكاره الرّاكدة العديد من الأسئلة العويصة كالأسماك. فإذا به يُعيدُ الكرّة ثمّ يُعيدُها لينتهي بشيء أقرب إلى الحلقة المفرغة. لنرَ كيف يحدث هذا. إذا كنّا سنتناول الهتافيّة ودورها في الشّعر أو أثرها فيه إذن يتوجّب علينا أن نسعى لاستكناه الهتاف أوّلاً.

بين القصيدة الهاتفة والقصيدة المتفلسفة
من الممكن توصيف الهتاف على النّحو التّالي: يقوم الهتاف على (1) اختزال أيديولوجي لفكرة أو رؤية بعينها في جملة صغيرة مقتضبة؛ ثمّ (2) يقوم على صياغة هذه الجملة في قالب شعري ليس بالضّرورة أن تُعتمد فيه القافية أوّ الوزن إذ يمكن أن يكون الوزن أدائيّاً. على هذا ينطوي الهتاف على مسحة شاعريّة، إلاّ أنّه ليس شعراً وذلك لصُلب الغرض الأيديولوجي ثمّ الاختزاليّة العالية واللتين تلتبسان بهذه المسحة الشّاعريّة. بهذا يقف الهتاف كجنس إبداعي قائم بذاته بمعزل عن الشّعر حتّى لو اشتمل على بعض شاعريّةٍ. وبهذا أيضاً لا يكون الهتاف أيديولوجيا ولو كان ملتبساً بها؛ كما لا يقف كبديل عن الفكر ولو كان أحد أسلحة التّعبئة الفكريّة والحركيّة. على هذا يمكن للشّعر أن يوظّف الهتافَ ضمن أساليبه الإبداعيّة مع ما قد تشتمل عليه هذه التّجربة من لبس؛ إذ قد يصعب التّفريق بين ما هو هتاف في القصيدة وبين ما هو محضُ شعرٍ فيها. وهذا نفس المنوال الذي جرى عليه توظيف الشّعر للفلسفة ضمن أساليب الشّعر الإبداعيّة. اُنظر إلى الإبداعات الشّعريّة ذات التّحميلات العالية من الشّحنات الفلسفيّة (نعني تحديداً “الحكمة”) في شعر زُهير بن أبي سُلمى أو شعر المتنبّي ولاحقاً شعر أبي العلاء المعرّي. فهنا تجد نفسَك إزاء شعر متفلسف وليس فلسفة متشاعرة؛ أو قل “نحو متشاعر” في الإشارة إلى ألفيّة ابن مالك التي ورد صدرُها أعلاه. نخلص من هذا إلى أنّ هناك فرقاً بين الشّعر وبين الفلسفة كما إنّ هناك فرقاً بين الشّعر وبين الهتاف ولو امتزجت هذه العناصر داخل “خلاّطة” الإبداع الشّعري. على هذا يُمكُنا أن نُمايز بين كثافة الشّحنة الشّعريّة في قصيدةٍ ما مقارنة مع كثافة الشّحنة الفلسفيّة (أو الشّحنة الهتافيّة) في نفس القصيدة. فالقصور الإبداعي في قصيدة بعينها قد يكون مردُّه إلى عدم الموازنة ما بين عنصر الشّعر من جانب وعنصر الفلسفة (وتُقرأ في حالتنا “الهتاف”) في الجانب الآخر. انظر معي إلى بيت المتنبّي التّالي ولنلاحظ مسألة التّوازن في العنصرين المشار إليهما أعلاه:
فإذا كانتِ النّفوسُ كبارا *** تَعِبَت في مُرادِها الأجسامُ
ولكن فلننظر إلى المماحكة في البيت التّالي والذي تعقّب فيه المتنبي الحكمةَ متصيّداً لها حتّى فات عليه الشّعر وهو في مقام الشّعر وليس في مقام الحكمة:
يموتُ راعي الضّأنِ في غنْمِه *** ميتة جالينوسَ في طِبِّه
ولنعد الآن إلى الهتاف!
على هذا يمكنُنا القول بأنّ الشّعرَ يجوزُ له استخدام الهتاف متى ما وازن بين نَفَس الشّاعريّة من جانب، وبين نَفَس الهتاف من الجانب الآخر بما يحفظ للمعادلة الإبداعيّة توازنَها. وإليك مثالاً أرى أنّه قد حقّق ذلك:
المجدُ للآلاف تخرجُ في الشّوارع كالسّيول
يدُكُّ ساعدُها  قلاعَ  الظّلمِ  والليل  الطّويل
أمّا إذا زاد نَفسُ الشّعر فذلك ـ مع أنّه بركة وإبداع ـ يكون قد تمّ على حساب الهتافيّة. بمعنى آخر نكون قد حصلنا على شعر تُخالطُه هتافيّة ولكنّها هتافيّة تمرُّ عليه مرور النّسيم في السّحر. عندها ربّما لا تكون القصيدة قد أوفت الحدث مُناط الاستشعار حقّه (إذا كان ثورة شعبيّة عارمة). وهذا ممّا قد يُحسب عليها؛ فهذا من قبيل وضع النّدى في موضع السيّف. إذا زادت الهتافية في القصيدة على حساب الشّاعريّة، فذلك قد لا يُحسب من الشّعر في شيءٍ حتّى لو استوفى تراكيبَ الشّعر من قافية ووزن وهلمّ جرّا.
وقد يرى البعضُ أنّ ابتدار الهتاف أيسر من اجتراح القصيدة؛ فالأوّل لا يعدو كونه مقطعاً واحداً، بينما القصيدة أطول من ذلك بمراحل حتّى لو كانت تتألّف من بيت واحد. ومثلُ هذا الاختزال شهدناه عند البعض لدى تدارسنا لأغنية الزّار التي تتكوّن من مقطعٍ فقط دون أن تزيد على هذا شبراً واحداً من الكلمات، إذ تستمرّ فرقة الكورال تُردّد هذا المقطع إلى نهاية الأغنية فحسب. فهذه هي جميعُ كلمات الأغنية، ومع ذلك نجدها تضجُّ بالإيقاعات المتسارعة وتفعلُ في الحاضرين فعل السّحر. وعلى الرّغم من هذا، تبقى الحقيقة واضحة في أنّ أطول الأغاني السّودانيّة وأكثرها تنوّعاً بالإيقاع والموسيقى ربّما لا تصلح بالمرّة لأداء وظيفة الزّار. فالشّحنة الموسيقيّة والشّاعريّة والإيقاعيّة ثمّ الطّقسيّة المبثوثة في أغنية الزّار ربّما تفوق الأغاني العاديّة بمرّات ومرّات.
بالعودة إلى الهتاف، نلاحظ أنّ إيقاعاتُ القصيدة وموسيقاها المبثوثة في حناياها كأنّما يتمّ تجميعُها نقطةً فنقطة حتّى تتحوّل إلى طلقة إيقاعيّة قاتلة بها يتسلّح المتظاهرون في مواجهة الطّغيان والجندرمة. وعلى كثرة ما تجود به قريحةُ المتظاهرين من هتاف أكثرُه زعيق وركاكة إلاّ أن اللحظة الثّوريّة باعتبارها لحظة لمخاض التّاريخ وصناعته عادة ما تنفلق عن هتاف يُكثّف الوعي الثّوري في الجماهير فتكون الثّورة. ألا ما أجمل الثّورة!

شعر التّراكيب من البارودي إلى روّاد شعر الحداثة بالسّودان
“شعرُ التّراكيب” نظرية في تجدّد صناعة الشّعر وآليات انتقاله من دركات الرّكاكة إلى درجات الجزالة. وهي نظرية أتى بها شيخُنا محمد الواثق وقام بتدريسها لطلبة الآداب مطلع سبعينات القرن العشرين بُعيد عودته من إنكلترا. ولا أعلمُ أنّه بذلها لعامّة القرّاء في كتاب أو بحثٍ منشور؛ كما لا أعلم إن كان قد داوم على تدريس هذه النّظريّة في لاحقات أيّامه بالجامعة وإلى الآن. فالواثق نظر إلى شعر البارودي باعتباره أولى درجات الشّعر العربي في التّحرّر من رِبْقة الركاكة السلجوقيّة والمملوكيّة ثمّ العثمانيّة بعموم؛ فخلص إلى أنّ شعر البارودي ما هو إلاّ شعر تراكيب لعصر ما قبل الرّكاكة دون إبداع حقيقي مثل الذي رفد به جيل شوقي وحافظ وتابعيهم. وتستطرد النّظرية في تتبّع مراحل تطوّر شعر البارودي بطريقة الواثق في التّحليل حيث لا يترك مجالاً لمزيد.
من جانبي نظرتُ في بروز جيل الحداثة في السّودان (بُعيد منتصف القرن العشرين) ومشروعهم المتعلّق بنهضة الشّعر وانعتاقه من ربقة العمود والوزن والقافية فلاحظتُ تماثلاً مع تجربة جيل النّهضة الشّعرية العربيّة منتصف القرن التّاسع عشر من حيث اتّباع التّراكيب. وفي الحقيقة هذه المسألة تستحقّ وقفة لمقارنة التّجربة الشّعريّة السّودانيّة بتجربة النّثر والسّرد السّودانيّة. إذ انتهجا دروبا متباينة فيما أرى.
بالعودة إلى الشّعر ومسألة الهتاف نجد أنّ جيل الحداثة الشّعريّة قد دهمته ثورة أكتوبر وهو لا يزال يخطو خطواته الأولى في التّدرّب لتجويد استخدام أدواته الشّعريّة وكيفية تطويع اللغة. فذلك الجيل حينها لم تعُزْه الشّاعريّة بل الدُّربْة على صناعة الشّعر وقد حازها بعدها وبجدارة. وفي ظنّي عندما يُشيرُ ود المكّي إلى أكتوبريّاته على أنّها “شغل صبا” فهو إنّما يعني هذا دون أن يتبرّأ عن موضوعات ذلك الشّعر. ومن جانبنا عندما نتفاعل ثوريّاً بذلك الشّعر لا نفعل ذلك بأثر الشّاعريّة فيه فقط أو بأثر الهتاف بل بحكم العديد من العوامل التي تُشكّل الشّحنة الانفعاليّة الذي تُثيرُها فينا ثورة أكتوبر. إذ إن أكتوبر رمز للثّورة.
إذن فجيل شعراء أكتوبر قد دهمتهم الثّورة (يا للمساكين!) وهم لا يزالون في ريعان الشّباب وطراوته. ثمّ أكثر من ذلك وجدوا أنفسهم في موقع الرّواد. إذ مع كونها التّجربة الثّانية في الثّورة الشّعبيّة ضدّ الظّالمين (الأولى كانت المهديّة) كانت تلك تجربة الشّعب الأولى في الثّورة عبر الوسائل السّلميّة. وفي هذا تلفتّ الشّعبُ فلم يجد غير أبنائه الغررة الميامين ليرودوا ثورتَه؛ فرادوها فأنعم وبارك! ولكن تلك لم تكن الغرارة التي عنيناها فحسب. فالغرارةُ والطّراوة حينها كانت بأكبر من ذلك في العمود الفقري للتّجربة الشّعريّة السّودانيّة بوجهٍ خاص ثمّ في التّجربة العربيّة بعموم في مجال شعر الحداثة.
فمثلا قصيدة “الكوليرا” لنازك الملائكة (1947م) والتي تُؤخذ كنموذج لتدشين الشّعر الحرّ جاءت متحرّرة من قفص بحور الخليل لتسجن نفسَها في قفص عروضي آخر من صنع نازك نفسها. إذ ألزمت نفسَها بنسق تفعيلي يتكرّر بانتظام بطريقة أشبه بأراجيز العصر العبّاسي الثّالث أو أشبه بالموشّحات الأندلسيّة المتأخرّة. وهذا باب في لزوم ما لا يلزم، وهو عين ما زعم الشّعرُ الحديث أنّه سعى للتّحرّر منه. وبالمناسبة قصيدة عبد الله الطّيّب “الكأس التي تحطّمت” والتي ألّفها بلندن في عام 1946م ليست سابقة فحسب لقصيدة نازك الملائكة، بل ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها النّموذج الحقيقي والأوّل للشّعر الحر. فإذا علمنا بأن ثورة أكتوبر جاءت بعد حوالي عشرين عاماً من ميلاد تجربة الشّعر الحرّ، أمكننا ذلك من تكوين صورة واضحة لحالة الغرارة الشّعريّة التي أشرنا إليها عاليه.
فهل يعني هذا أنّ جيل شعراء أكتوبر تحايلوا بالهتاف إذ تقاصرت تجربتُهم الشّعريّة وعازتهم أدواتُ صناعته الحاذقة؟ بالطّبع لا! فهذا قد يرمي بنا في عِماية ثوريّة بها نغمط الشّعب الثّائر حقّه في الإبداع الثّوري. فقول كهذا يعني أنّ جيل الشّعراء هم الذين اجترحوا الهتافيّة ثمّ ألبسوها ثوب الشّعر. فهذا إفكٌ ثوري! فالهتاف اجترحه الشّعب عندما تكثّفت في جوّانيّاته الثّورة. إذن الهتاف هو فعلُ الثّورة الحقّة والذي ملأ جنبات مسرح الوعي ثمّ تجلّى حينها في كلّ شيءٍ بما في ذلك الشّعر. كانت ثورة أكتوبر أكبر وأكثر نضجاً من التّجربة الشّعريّة، خاصّة ما يُسمّى بشعر الحداثة. هذا جعل الهتاف (باعتباره جزءاً من فعل الثّورة الشّعبيّة في جمعيتها وليس فقط أداة من أدواتها) يتفوّق على الشّعر (بوصفه أحد أدوات الثّورة باعتبار فردانيّته).

شعر ما بعد الرّوّاد: الفرق بين القفز والتّجاوز
شمل شعر المجذوب ـ على سبيل المثال ـ في ديواوينه المتعدّدة جميع أجناس الشّعر؛ الشّعر العمودي ثمّ شعر التّفعيلة ثمّ الشّعر النّثري، فأبدع فيها جميعاً. وهنا ينهض السّؤال التّالي: كيف تأتّى له ذلك؟ أي كيف تمكّن المجذوب من أن يقوم بكلّ هذا مع ما في هذه المدارس الشّعريّة من تباين قد يراه البعضُ تناقضاً؟ وقد أتى محمّد عبد الحي بمثل ما أتى به المجذوب؛ خذ مثلاً ديوانَه الأخير: الله في زمن العنف. الإجابة على هذه الأسئلة: بالتّجاوز! فما هو التّجاوز؟  دعونا نستشرف الإجابة على هذا السّؤال. ولنتخيّل أنّ لدينا أربعَ طبقات من الشّعراء.
طبقة الشّاعر الأوّل: هذا الشّاعر يكتب القصيدة العموديّة ذات الالتزام الأصولي بقوانين العروض، فضلاً عن الأساليب البلاغيّة وقواعد اللغة. وهو إذ يفعلُ هذا إنّما يهيمُ في مفازة الشّعر الآبد كما فعل قبله العبّاسي وآخرون معاصرون له فركبوا نياقهم واصطحروا بحثاً عن مرابع ليلاهم واشتاموا المطرَ واقتبسوا بارق الرّعد. وهو في هذا يبدو عليه كما لو كان شاعراً مُجيداً إذا ما استقبلتَ الشّعرَ من هذا الباب. ولكنّه ينفرُ نفوراً شديداً ممّا يُسمّى بالشّعر الحر أو شعر التّفعيلة. إذن فهو كالذي توقّف نموُّه إذ لم يعد يستطيع أن يواكب ما قدحت به قريحةُ الزّمان من تطوّر في شكل الشّعر ومضمونه. وليس القصد من قولي هذا أن يكون مُجيداً وفنّاناً في مجال شعر التّفعيلة. لكن ألاّ يكون في مقدوره أن يتفاعل معه وأن يستشفّ الجمالَ الذي ينطوي عليه شعرُ التّفعيلة فهذا معناه أنّه يعيش في هذا العصر بجسم إبداعي يُعاني من شللٍ نصف. مثل هذا يمكن وصفُه بالمبدع؛ إلاّ أنّه ليس خلاّقا في إبداعه.
طبقة الشّاعر الثّاني: هذا الشّاعر يكتبُ شعر التّفعيلة كما جرت به تجربة جيل الخمسينيات والستّينيات ويتحرّى أساليبَهم. وهو في هذا يلتزم بقواعد العروض والقافية متفنّنا فيهما؛ كما لا يحيدُ عن قواعد اللغة العربيّة. وهو أيضاً يبدو عليه كما لو كان شاعراً مُجيداً إذا ما استقبلتَ الشّعرَ من هذا الباب. ولكنّه لا يستطيع أن يكتب الشّعر العمودي إذ تستعصي عليه إيقاعاتُه على الرّغم من اتّباعها لقانون العروض مثلُها في ذلك كمثل شعر التّفعيلة. مثل هذا غالباً لم يقرأ كثيراً الشّعر العربي جاهليّه وإسلاميّه انتهاءً بالعصر العبّاسي الثّالث إلى ما بعد عصر الانحطاط، ثمّ عصر النّهضة. إذن فهو كالمنبتّ عن مصادر تجربته الشّعريّة. أمّا اللغة التي يكتبُ بها فغالباً ما تكون مستمدّة مباشرة ممّا قرأ في مجال شعر التّفعيلة. هذا الشّخص لا يستصحبُ معه التّراث الشّعري النّاطق باللغة العربيّة؛ ولهذا وصفناه بالمنبتّ وهو أيضا يمشي بقدم إبداعيّة واحدة. مثل هذا أيضاً يمكنُ وصفُه بالمبدع؛ إلاّ أنّه ليس خلاّقا في إبداعه.
طبقة الشّاعر الثّالث: يكتبُ الشّعر النّثري غير مبالٍ لا بالعروض ولا بالقافية، فضلاً عن عدم مبالاة غير مُعلنة بقواعد اللغة نفسها إلاّ أنّها ملحوظة من قبل العارفين بفقه اللغة. ولكن حتّى لا نُتّهم بالتّحيّز دعنا نقول بأنّه مع تقيّده بقواعد اللغة لا يأخذ بلوازم العروض والقافية والاستقطاع البيتي (قالب العبارة القصيرة التي تقوم مقام البيت أو الشّطرة) كضرورة للشّعر. وفي الحقيقة يُمكن وصف هذا الشّخص بأنّه ابن القصيدة النّثريّة إذ كانت نقطة البداية التي دشّن بها مشروعَه الشّعري. وفيما يقدح به من شعر يجوز النّظر إليه كمبدع إذا ما استقبلتَ الشّعرَ من هذا الباب. وعلى هذا فهو لا يكتب القصيدة العموديّة كما لا يتعاطى شعرّ التّفعيلة والذي لا يرى فيه فرقاً كبيراً بينه والعمودي بجامع العروض في كليهما. وينظر إليهما باعتبارهما يتعارضان مع روح الإبداع المنبثقة في جوّانيّاته والتي يشدُّها نزوع قوي نحو الحريّة والانطلاق. فإذا كنّا قد وصفنا الشّاعر الثّاني بأنّه منبتّ بدالّة عدم استصحابه للتّجربة الشّعريّة في اللغة التي عبرَها يكتب شعرَه فهذا الشّاعر (الثّالث) منبتّ أسّ 2.
طبقة الشّاعر الرّابع: هذا الشّاعر كتب الشّعر العمودي وأجاده وبرزت موهبتُه فيه؛ ثمّ تجاوز الشّعر العمودي (لاحظ دلالة “التّجاوز” هنا؛ أي دون أن يقفز عليه) إلى شعر التّفعيلة فكتب قصيدة التّفعيلة، وفيها أيضاً برزت موهبتُه دون أن تتقطّع به السّبل عن ارتياد آفاق الشّعر العمودي. ثمّ كان أن اتّجه إلى ما يُسمّى بالقصيدة النّثريّة فأجادها وأبدع فيها كما أبدع في سابقاتها. لماذا يُبدع هذا الرّجل في كلّ ما صدع به؟ أقصر الإجابات: لأنّه شاعر حقيقي، الأمر الذي يجعل هذه الشّاعريّة الحقّة تتجلّى كيفما جرت بها قنوات الإبداع والشّعر. فهذا الشّاعر عندما كتب القصيدة العموديّة استصحب معه التّجربة الشّعريّة التي قدحت بها اللغة العربيّة منذ عهد النّابغة في قوله:
يا دارَ ميّةَ بالعلياءِ فالسّندِ ** أقوت وطال عليها سالفُ الأمدِ
إلى أن قال تادرس يعقوب الفرشوطي:
يا فرحة العيدِ طوفي أرض وادينا ** وباركي أهلَه الغرَّ الميامينا
فهذا الشّاعر (الطّبقة الرّابعة) قد استصحب كلَّ ذلك عندما كتب قصيدة التّفعيلة مضافاً إليها ما رفدت به التّجربة الشّعريّة منذ قصيدة “الكوليرا” لنازك الملائكة 1947م (أو قُل صادقا ومُصيباً: منذ قصيدة عبد الله الطّيّب “الكأس التي تحطّمت” 1945م) إلى آخر قصيدة قدح بها محيي الدّين فارس. وهذا ما يفعلُه عندما يكتب القصيدة النّثريّة. ثمّ لمّا جرّب كلّ ذلك ـ من قبيل انتقال الفراشة من زهرة إلى أخرى طمعاً في رشف الرّحيق من كلّ زهرة وصلت إليها مهمّا قلّ شأنُ رحيقها ـ استقرّت نفسُه على ما يُعرف بالشّعر النّثري فصار أحد أعلامه. ولكن هذا لم يمنع أن يأتي بالشّعر عموديّاً وتفعيليّاً من آنٍ لآخر وفي فترات متباعدة (مع أنّه ليس نثريّاً، انظر عموديّة عالم عبّاس الأخيرة في مدح الصطفى [ص]). إلاّ أنّ الشّعر النّثري يبقى مجاله الذي اشتُهر به وفيه سجّل نقاطاً إبداعيّة لم تُتح لأحدٍ قبلَه.
يبقى أن أقول، مع بعض الفروقات البسيطة، بأنّ هذا ما كان عليه حالُ المجذوب ومحمّد عبد الحي والعديد من شعرائنا المُفلّقين، فهل هذا فعلاً حال جيل اللاحقين؟ وكثيراً ما أسلّي النّفس باختبار مطابقة شعرائنا المحدثين لهذه القوالب المعياريّة الأربعة خاصّة من يتذرّعون بالحداثة لإعفاء أنفسهم من أداء واجبهم المنزلي المتعلّق بجهة إبداعهم الشّعري، فإذا بهم يقفزون بالزّانة متخطّين ـ غير متجاوزين ـ لعصور إبداعيّة بأكملها استعصى عليهم رشف رحيق الإبداع فيها، ففعلوا ما فعله القطّ المسكين، مغلوب الحيلة، عندما استمسخ الحليبَ إذ استعصى عليه أن يتسلّق المشعليب. وعادة ما تكون النّتيجة مثيرة للدّهشة لكثرة من يقعون في طبقات شعرائنا الثّلاث الأولى برغم الذّيوع والشّهرة التي ربّما نالوها.

النّثر في السّودان بين الجزالة والحداثة
قبل أقلّ من عشرين عاماً بقليل زيّن لي الغرور والجهل بأقدار الرّجال أن أُشكّك في نصاعة الأساليب التعبيريّة التي يكتب بها شيوخٌ أحبار مثل جمال محمد أحمد وعلي المك وآخرين. إذ بدت لي أنّها على قدر من التّكلّف والمعاظلة؛ وعرة المسلك غير سهلة. عكفتُ على هذا الرّأي أيّاماً قلائل غير كافية لاختمار الكروم دع عنك انتباذَها. ثمّ قيّض الرّحمنُ لي أن أقابل أديباً أريباً، هو الصّديق بشرى الفاضل، وكنتُ أعرف عنه إيثارَه لكلٍّ من جمال محمد أحمد وعلي المك. ومع ذلك بادرته بما زيّن لي النّظر القاصر، فطفقتُ أتحدّث وأتحدّث حدّ التّجلّي، وبشرى يستمع ويستمع حدّ الإيمان. عندها بدأ بشرى في الرّدّ على ما قلتُه في كلمات واضحة ومنطق بسيط لكنّه عميق وقوي. ما أكتبه أدناه وليد محادثتي تلك مع بشرى الفاضل، وبه أدين.
لا ينبغي للغفلة أن تصرفنا عن إدراك أنّ النّثر والسّرد عبارة عن تجربة تنمو وتتطوّر من مراحل بسيطة مستشرفة آفاقاً أكثر رحابة ونضجاً. فجميعنا نكتب الآن نثراً قد يكون جميلاً وقد يكون غير جميل؛ لكن السّؤال، مثلاً، ما هو دور النّثر في السّلطنة الزّرقاء في تنمية هذه التّجربة التي بدأت معنا وظلّت تتطوّر عبر مراحلنا التّعليمية. والنّثر في تلك الفترة قد لا يتعدّى الكتاب أو الكتابين، هذا إذا وضعنا في الاعتبار كتاب طريق القوم والمشي به ساهل لإسماعيل الدّقلاشي (صاحب الرّبابة) وكتاب الطّبقات لود ضيف الله. فأن يكون هذا كلّ ما وصلنا من كتب، إلاّ أنّها قطع لا تعكس حجم الأساليب الإنشائيّة التي أثّرت في تلك الفترة. ثمّ ماذا عن مناهج المطالعة منذ بخت الرّضا والأدب من الأوّليّة إلى ما بعد الثّانوي؟ ماذا عن أسلوب النّثر الذي تُطالُعنا به الصّحافة؟ من أين نما هذا الأسلوب؟ هل هو مستورد من مصر؟ هناك الكثير من المؤثّرات التي هبّت علينا من تلقاء مصر، إلاّ أنّ التّجربة النّثريّة في السّودان تختلف عنها في مصر! فهناك فروقات واضحة بين الأسلوبين رغم القواسم المشتركة. وقد كان من رأي بشرى الفاضل أنّ النّثر قد تطوّر فعلاً من أساليب بسيطة؛ إلاّ أنّ أناساً من أمثال جمال محمد أحمد وعلي المك وآخرين من جيل الرّواد هم الذين “برّدوا” حلبة الكتابة النّثريّة بالسّودان. هذا في الوقت الذي تلقّوا فيه تعليما إنكليزيّا صارما حدا برجل مثل حسن دفع الله، مثلاً، أن يكتب كتابه هجرة النّوبيّين باللغة الإنكليزيّة التي كان يُجيدُ استخدام أدواتها كلغة ثقافة وأدب أكثر من اللغة العربيّة. فلو لم يتصدَّ هذا الجيل لكان أمرُنا الآن بِدداً؛ إذ لم تكن هناك غير الكتابات العروبيّة القُحّة التي رادها الضّرير والعبّاسي والتي كانت تهيم في صحراء الجزيرة العربيّة.
ولكنّي أنظر إلى المسألة من زاوية تختلف في تفاصيلها عمّا يراه بشرى الفاضل، على الرّغم من الاتّفاق في المؤدّى العام. في رأيي أنّ هناك مدرستيْن: أولاهما ما أسمّيه بمدرسة الجزالة العربيّة؛ وثانيتهما ما أسمّيه بمدرسة النّثر الحداثوي. بالفعل تمخّضت مدرسة الجزالة العربيّة عن الكتابات العروبيّة القحّة التي رادها الضّرير وآخرون. أمّا مدرسة النّثر الحداثوي، فنعني بها ابتداع أساليب في التّعبير باللغة العربيّة متأثّرة بأساليب التّعبير في اللغات الغربيّة ـ هنا الإنكليزيّة؛ ليس في باب التّرقيم فحسب، بل حتّى في البناء الدّلالي للجملة. ولكن ما كان لمدرسة الجزالة العربيّة أن تتطوّر وتتحرّر من سموم صحراء العرب لولا بروز مدرسة الحداثة النّثريّة ممثّلة في جيل الرّوّاد الأوائل من الذين تلقّوا تعليماً غربيّاً. فكان أن عدّلت من مسارها في تقليد أساليب المقامات وبعدها تراكيب الرّافعي، دون أن تضحّي بجزالة اللغة. من رموز هذه المدرسة رجال أمثال عبد الله الطّيب وكثيرين من  التّيّار الإسلامي. لكن على رأسها يأتي الشهيد محمود محمد طه ومنصور خالد وآخرون. أمّا مدرسة الحداثة النّثريّة فقد تطوّرت وبسرعة كبيرة خلال عقد السّتينيات والسّبعينيات بفضل كتابات مجموعة من روّاد الحداثة أمثال جمال محمّد أحمد وعلي المك وصلاح أحمد إبراهيم وغيرهم. ويأتي على رأسها الآن عبد الله علي إبراهيم الذي تبعه فوج آخر من جيل اللاحقين النّثريين أمثال عبد الله بولا وحسن موسى. العجيب في الأمر أنّ شخصاً مثل حسن التّرابي ينتمي فيما نرى إلى هذه المدرسة النّثريّة. فأسلوبُه إذا تمّ تجريدُه من مسوحه الدينية تجوز إحالتُه إلى أسلوب جمال محمد أحمد المائز. ومن العجيب أيضاً ألاّ تكون مدرسة الحداثة النّثريّة السّودانيّة قد تأثّرت برصيفتها المصريّة، على الرّغم من أثر مصر الكبير في كلّ شيء حينها. ففي مصر برزت مدرسة طه حسين والمازني والعقّاد في مقابل مدرسة الرّافعي العربيّة القُحّة والتي اشتطّت فأغفلت استخدام التّرقيم، وكادت أن تُغفل استخدام التنقيط رُجعى لعهدٍ ما كان له أن يعود. فمثلاً مقارنة بسيطة بين أسلوب في الشّعر الجاهلي لطه حسين وكتاب تحت راية القرآن للرّافعي توضّح ما ذهبنا إليه. فالمدرسة النّثرية السّودانيّة لا يبدو أنّها تأثّرت أو اتّبعت مدرسة الحداثة المصريّة. في الواقع مدرسة الحداثة المصريّة غلبت فيما بعد عبر استيعابها للمدرسة العروبيّة القُحّة، ذلك لأنّ روّاد النّثر الحداثوي فيها قدموا أوّل أمرهم من المدارس العربيّة الكلاسيكيّة (مثل طه حسين) وبعدها انخرطوا في التّعليم الغربي. هذا بينما في السّودان سار التّيّاران بطرق متوازية لكن دون صراع بينهما. وما يُميّز مدرسة الحداثة النّثريّة أنّها جاءت وكأنّها ضربة لازب. إذ لم تمرّ بفترة تراكيب في بداية بروزها؛ فحتّى رموز الجيل الثّاني منها لم يمارسوا الكتابة بأسلوب تركيبي، وذلك بالطّبع لحداثة التّجربة، وهنا أشير إلى أسلوب الرّوائي إبراهيم إسحق. هذا بينما أسلوب الرّافعي (في رسائله خاصّة) يمكن النّظر إليه على أنّه يستخدم تراكيب أدب الرّسائل في العصر العبّاسي الثّاني فما بعد.
ـــــــــ
ورقة قدمت في ورشة القصة القصيرة في السودان: المنجز وآفاق الحلم
15 ــ 16 يناير 2008
مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي/ أم درمان

زر الذهاب إلى الأعلى