كلاكيت مرّة ثانية

3
2
1
قطعاً، لن تَنسى هذه الأيام: ثُبّتَت على قاعدة الذاكرة بدقةٍ متناهيَة.
حدَث هذا في بداية يناير.
الشّمسُ بالمواصفات اليومية ذاتها، مكياج مُتدرّج على الأفق، تسريحة أشعّة لا تُناسب عمرها أبداً، نظّارات ترابية لا تحجب عنها الفخامة، تتصدّر قائمة الحضور بنكهةٍ حارقة، خطوات شتوية أنيقة، رشيقة، تنفيذ دقيق لتصميم موضات فصول السنة. الرمال غير لائقة طبّياً، تعلمَت فكّ السلاح والغبينة، تتمدّد في نعومة ولمعان، عبثاً تتشبّث بثوبها الشفاف وتُخفي عاهتها تحت الفستان. الرياح زفير الكواكب، لا تَخضع لقانون، تصطاد في الفضاء العكر بصفاقة، جافّة، مستبدّة، تنهب كل ما تيسّر لها من كثبان، ليتصاعد الغبار متستّراً على ما حدث. صحراء ممتدّة إلى الأبد، فراغ مُمتلئ باللاشيء، حتى النباتات الشوكية لا تغامر في هذا المكان الجافّ. كل شيء هنا محرومٌ من الحياة.
الجوع والعطش لا يعرفان الصبر وحتماً هو ـ الصبر ـ لم يلتق بهما. آلام مميتة تتربّص بكَ أينما تحركتَ، أينما نويتَ. تصرخ بلا صوت، تشير بعينين دامعتين نحو الهدف الذي حدّدتَه بدقة، تزحف على بطنكَ هارباً من فظاعة الشمس وتبرّعات الرمال السخية وهي تُنفق ذرّاتها على جسد يتيم وتَطليه بحُبيبات ذهبية. انصهار المعدن على المسامات مُؤلم. تُواصِل تقليد أبطأ مخلوقات الكون نحو ظلّ الشاحنة المعطّلة، كأنّك رأس سلحفاة عجوز، ببطء تخبّئ جسدك المتقرّح تحت الشاحنة، تتنهّد، تتكوّر حول نفسك من شدة الألم، تُصارعه بمزيد من التألّم، تتقلّب على كل الأوضاع والاحتمالات، ليت لك مقدرة الغوص داخل الأعماق حتى لو ينقطع الذّيل مع الألم، تدور عشوائياً، تتخبّط. تصطدم بجسد «عفاف النور» وعلى صدرها تتمدّد طفلتها، تبذل أقصَى ما لديك من حَنِين، تقترب أكثر، لا حركة، لقد سُحبَت الروح من قائمة الجسد، مساء الأمس على الأرجح، وصدَرَت أوامر التعفّن. مرعوباً، مهزوماً، تتقهقر إلى الوراء، تعجن الرمال بكلتَيْ يديك. تُكوّم أمامك صنوفاً من الحسرات، تلعن حظّك، وبعينين دامعتين تراقب الطفلة وهي تحاول عبثاً إعادة أمّها إلى الحياة ولا تُفلح في استدرار الحليب، أعجزَها غياب الماء حتى عن الصراخ، تتخبّط عشوائياً، كأنها خنفساء انكفأت على ظهرها.
إذا كنتَ راغباً فعلاً في الجلوس لاجتياز امتحان الإنسانيّة: شاهِدْ عينَي طفلة تُحتضَر. غصباً عنك ستلعن الكون برمّته!
تُفلِت للحظات من الآلام المتكاتفة ليتربّص بصمتك خوفٌ موروث، ترتعش، اقتراب لحظة الغياب إلى الأبد مُرعب. الموت جماد يتحرّك في كل الأماكن، لا يحسّ ولا يرى، لن يفاوض حتى هذه الطفلة. كيف تقاومه وأنفك تشتمّ رائحة الجثث؟ وأذناك أصوات الأنين؟ ينهار جسدُكَ عاجزاً عن الحركة. آخر أثر لأقدامك على الرمال كان قبل يومين، عندما حاولتَ مع «جمال عز الدين» و«نزار المكاشفي» استحلاب ماء من «لَديتر» الشاحنة. للأسف كان فارغاً، ساعتها تقيّأ الأمل كل محتوياته. كالرمل زحف اليأس نحوكم. لم يعد هناك متّسع من وقت، الموت يشير بإصبعه نحوك. تتمدّد على ظهرك وتنتظره على عتبة الرحمة.
تتخيّل ردّ فعل «ناهد عبد الهادي» لحظة سماعها الخبر، بيدها كوب ماء بارد بَصَمَت بأناملها على زجاجه النديّ، ليسقط منها بصوت تهشُّم مكتوم على أنفاسه بصرخة حنجرتها، وعلى بلاط أملس يتدحرج منساباً أحدُ أسباب موتك. تسأل نفسك؛ أين تُراها تكون في تلك اللحظة؟ هل ترتشف ماءً بارداً بعد وجبة دسمة؟ ربما هي تحكي عنك لأحد أصدقائها. مهما يكن الأمر فإن حالتها الحياتية، لحظة سماعها نبأ موتك، غير ذات معنى. الذي يهمّك: ماذا هي فاعلة إزاءَ موتك؟ ستبكي بما يتيح لها الحزن من دموع، ورُويداً رُويداً تصبح محفظة المشاعر الفارغة على رَفٍّ هامشي. تكهّنات، اجتهاد ذهني غير موفّق لابتكار حزن غير متناهٍ، كل التداعيات كانت غير جديرة بعظَمة العشق. وهي حتماً لم تَرْضَ غيابك. لا يَغمَض للخوف جفن، ساهرٌ على حراسة ترويعك، وأنت متشبّث بأذيال الحياة ـ حياة أنفقت مصروفها في الوقاية من الأمراض ـ قابضاً بقوة على آخر حبيبات متبقّية لك في العنق الآخَر لساعتك الرملية. الأحداث تعرض نفسها مجاناً على الذاكرة، السينما المتجوّلة. بكرَة الفيلم تدور بصوت ناشف وحشرجة، على رقعة قماش بيضاء تنطبع طبقات من الذكريات فسّخها جفافٌ مُضنٍ لتخرج صوراً متناثرة.
قَطْــــــــــــــــــــع
والدك «سعيد عمران» المحوَلجي* ممددٌ بين قضبان السكة حديد.
كانت الساعة الرابعة عصراً حسب توقيت المحطة، أثَر الظهيرة لم يمّحِ بعد، مناحات العرَق الرتيبة، كتمة تخلّفت في هذا المكان عنوةً، تأخرتَ عن موعد مغادرة رياح الصباح، محض حرارة. كنتَ ضمن أبناء عمّال السكة حديد، وقد تحرّرتم قبل قليل من سور المدرسة باتفاق مسبق على الزوغان من وجبة الغداء بسندوتشات مراهقين أكملتم مضغها في طريقكم نحو مبنى «الملوينة»*، رحتم تعبثون بمحتوياته، تحرّكون عصا التحويلة بقوة إلى الأمام والخلف، كلٌّ يملك عربة «لوري» في ذهنه، يقودها وسط طرقات عصيّة ومُوحلة، دون أن يهمل فرضية المتعة. تتبارون في لعبة البول لأطول مسافة من أعلى المبنى. النتائج متقاربة، المحصلات الأكاديمية ذاتها. تحوّلتم سريعاً إلى المنافسةِ في الألعاب البهلوانية الخطيرة على السلّم اللولبي الخلفي للملوينة تُبدّدون الوقت، وضجر عصريات المراهق، في انتظار وصول قطار «المشترك» الطويل، الذي سينقسم في تقاطع مدينة «الرَّهَد» إلى قطارين؛ أحدهما سيتوجّه إلى مدينة «الأبيّض» والآخر إلى مدينة «نيَالا».
تعرفون القطارات جيداً، بحّة الصفّارة، الإيقاع، الدندنة على القضيب، رقم وابور الديزل، عدد العربات التي يسحبها خلفه. تحفظون هذه الأشياء بدقةٍ أكثر من الواجبات المدرسية.
ترتفع صيحاتكم عالية عندما تمرّ بالقرب منكم الفتيات المراهقات بائعات الأرز قادمات من «حي فلّاتة» بفساتين مزدحمة الألوان، مبتهجات، متخصّرات، وعلى رؤوسهن تحكّرَت أطباق الأرز بتوازن وحكمة. من مغازلاتكم يتصنّعنَ الخجل ويدافعنَ عن عذريتهنّ بضحكات مكتومة وأحضان مُفتعلة.
كان منظر محطة القطار من أعلى مبنى الملوينة هادئاً للغاية، أو يبدو عادياً كسائر الأيام، يحتلّ المسافرون بأمتعتهم ظلّ شجرة اللبَخ الكبيرة بين مكتب التذاكر ومكتب البريد. تمّ هذا الاحتلال منذ الأمس بمؤامرة من الأخبار المتضاربة والتكهّنات حول العدد القليل من عربات الدرجة الرابعة، والأكثر شعبية، التي يجرّها القطار القادم، نفدَت زُوَادتهم وراحوا يلوكون صبراً متآكلاً، أسئلتهم يائسة. يطوف الشحّاذون حولهم، وعبثاً يستدرجونهم نحو وكر الحسَنات. أبناء السبيل على وشك المهانة، يدورون حول محنتهم كأنهم في انتظار تفسير منطقي للآية القرآنية التي ستستخلص لهم نصيبهم من الزكاة. الشمّاسة، أطفال الشمس، بمختلف أعمارهم، ركام من الحرمان، ذاكرة تنزف ولن يفلح المونتاج في علاجها، هروب، ضرب، رفس، اعتقال، جوع وحبس، ملابس قذرة ذات أحجام كبيرة، أو ربما الأجساد تعطَّل نماؤها، يتبادلون إشارات بذيئة، يتقافزون بين أشجار النيم وعربات القطار المهجورة، يقفزون بين أسطح تلك العربات برشاقة فائقة، مؤكّدين نظرية النشوء والتطوّر، مُبذّرين طاقتهم في الضجر، البعض أرْهقه الجوع والعوز، يدسّون أجسادهم الناحلة تحت ظل عربات الوقود «الفنطاز» في انتظار، ربما تكون للحظّ فضلات يجود بها القطار القادم. يطوف الباعة حول ربح مسجون، أصوات بُحّت، حركة آلية، إغراءات لأطفال المسافرين. وابور الوردية*، أو «صعلوك المحطّة» كما تُطلقون عليه، وحده يخدش الصمت والفضاء بدخانه، يتجوّل بين القضبان مترنّحاً مُطلِقاً أصواتاً مبحوحة كأنه مُدمن سكّير، يدخن بشراسة، يراود عربات البضائع بلا خجل، يستدرجها من سكة إلى أخرى استعداداً لدمجها مع القطار القادم.
كان بداخلكَ انفعال مبهم، ومبكّر. سريعاً ما بدّدتَه بصيحات ولعنات غير مُبرّرة، إطلاقاً، تفتعل المتعة بمجهود ذاتي، ترفّ عينك اليسرى. عرض المأساة كان على وشك أن يبدأ. الديكور ظلّ ثابتاً، كما هو، الجمهور يتهامس بكل اعتيادية. لا أحد يتوقع تفاصيل المشهد القادم.
قفز بعضكم من أعلى مبنى الملوينة. دَرْبَكة، دَعْس على الأقدام، ضغط على الحائط، صراع مُميت حول أولوية الوصول إلى الأرض عبر درجات السّلم. الصرخة العالية التي أطلقتها إحدى بائعات الأرْز جعلتكم تتسابقون نحوها في هلع. قبل وصولكم تشكّلَت دائرة بشرية واسعة: تجاهَل جُلّ المسافرين أمتعتهم، عمّال الدريسة*، أيديهم على رؤوسهم، ركّت على أفواههم دهشة، جاء الشمّاسة مِن كلّ فجٍّ عميق، يُخبئون نواياهم خلف ظهورهم، عمال الورشة، مُوظّفّو البريد والتذاكر، الباعة، الشحّاذون يحملون عاهاتهم، وثلاثة من قوات شرطة السكة حديد، ولا تنسَ «عم قووم» الشحاذ العميان، حتى هو استطاع أن يصبح جزءاً من الدائرة البشرية. أصوات همهمات، زوبعة ودَرْبَكة، رعب وابتهالات. توزّعت على وجوه الجمهور أقنعة الذهول، كان المنظر بشعاً للغاية، أدخلتَ رأسك بصعوبة بين الأجساد الملتحمة… كان والدك «سعيد المحوَلجي» ممدّداً بين قضيبَي السكة حديد وساقاه منفصلتان تماماً عن جسده، الدم ينبع بغزارة، لا يتوقّف، يسيل مندفعاً بسرعة من تحت القضيب، يتسرّب بين تشققات الفلنكات*، ينساب نحو أعشاب الخريف. عيناه تحملقان في الدائرة البشرية بلا تعبير، سوادهما يدور على الأطراف، كأنما يبحث عنك، ليشاهدك للمرة الأخيرة، أو أن الذاكرة راحت تتوهّج في النفق الأخير، تفرض عليه إعادةً سريعةً لمسيرته الحافلة بالمرائر، الخيبات، العمل الدؤوب، يتصفّح بُرهاتٍ سعيدةً متفرّقة: صرخة طفله البكر لحظة الإنجاب، لمّة حول نار الشّاي، دفء أسرَة في بَواكير الشتاء، حوافز عمل غير متوقّعة تُصرَف له في مصادفة سعيدة يوم إنجابه الإناث. كانت هناك فرَاشة زاهية الألوان تتمرجح حول زهرة خريفية، تبحث عن توازن يضمن لها سلامة الهبوط، غَيْرَ عابئةٍ بما يحدث، شاهَدها الأطفال فقط. اصطدم أحد الشمّاسة بأسلاك الصّنَفور* مُحدِثاً نغماً حزيناً، لحظتها صفّق عصفور كناري بجناحيه وغادر أسلاك التلفون، وحلّقت معه الروح. كنتَ مذهولاً، مرعُوباً، عقلك أصغر من أن يستوعب المأساة، احتضنك حكمدار الدريسة «الطيب ياسين» وهو ينتحب، أبعَدَك عن المكان، منَعَك من متابعة المشهد، ما زالت بيده خرق بالية حمراء، محاولات فاشلة لإيقاف النزف، التفّ رفاقك حولك متجهّمين، الذي حدث يفوق المساحة المحدّدة لذاكرة أيّ طفل، راحوا ينظرون إليك بعيون فارغة، لا يعرفون ماذا هم فاعلون. كان والدك «سعيد المحولجي» يقوم بمهمة مناورة مع «العطشقي» سائق الوردية؛ صعلوك المحطة، لتحويل بعض عربات البضائع من قضيب إلى الآخر، وبينما هو جالس بين عربتين متحرّكتين يحاول رفع الخابور ليفصلهما عن بعضهما البعض سقط بينهما، وبالفطرة وحدها استطاع أن ينقذ الجزء الأعلى من جسده خارج حدود القضيب لتمرّ عجلات العربة الحديدية على فخذيه وتقسمه نصفين، وظلّ ينزف حتى غادرته الروح، هكذا أخبرك شهود العيان، مع التأكيد على شجاعة والدك وصبره.
ــ سبحان الله لم يكن يتألّم!
أنت أيضاً لم تعد تتألّم من شدة الألم. لا تشعر بالجوع والعطش، تتآكل من الداخل، ممدّداً تحت شاحنة معطلة، مقذوفاً، ملفوظاً، تتوسّل إلى الصحراء أن تكفّ عن هذا العبث، تَغيب عن الوعي للحظات ثم يعود ذهنك ليجمع شمل الذاكرة ويُنتج بعض الصوَر.
في اليوم الأول عندما شعرتم بحجم الكارثة، دبّ الذعر والخوف بين النساء والأطفال، أما الرجال فطأطأوا رؤوسهم: يصْعُب تصديق ذلك. وبرغم هذا تحرّرتَ من خوفك وطمأنت الأنفس، وكأنك وَزّعتَ عليهم، مع المهام، بعض المهدِّئات، تقدّمتَ بعدة اقتراحات، وأصدرتَ بعض الأوامر، جمعتَ كل المؤونة، حتى الأغذية الخاصة من معلّبات وعصائر وبسكويت، وضعتَها داخل شنطة حديدية كبيرة وأقفلتَ عليها بإحكام، أما الماء أوكلتَ به كلاً من «الفاتح الطيب» والشقيقين «وليد ونزار المكاشفي» ليشرفوا على توزيعه حسب الأوامر. لقد أصبحتَ فجأةً صاحب القرار والكلمة. الكل يُثَنّي على اقتراحاتك، قرّرتَ وجبةً واحدةً للكبار ووجبتين للأطفال، وكذلك الماء جرعات معدودة في اليوم.
من بعدها انسحب الخوف والذعر تدريجياً، عادت بعض الحكاوي والقصص لتجد حظّها من التداول في مكان لا يخطر على خيال مؤلفيها، تُروى في طقس ليلي تحت ضوء القمر وهو يزيدها صدقاً وبُعداً إيمانياً، قصص عن الصبر والفرج، أحاجي عن أناس مرّوا بالظروف ذاتها واجتازوا الامتحان بجدارة. كنتَ في قرارة نفسك موقناً بأن هناك نجدة ستأتي لإنقاذكم بلا أدنى شك، كما يحدث عادةً في كل الأفلام السينمائيّة التي يسقط أبطالها في مثل هذا المَأزِق، فلا يمكن أن تكون النهاية غير ذلك، خصوصاً أن معكم أطفالاً. كنتَ أكثرهم تفاؤلاً، والسينما تستلف قصصها من الواقع. ظللتَ مطمئّناً، حتى بلغت مرحلة توزيع معلّبات الصبر، وتاريخ الصلاحية في عدّ تنازُلي متسارع مع دقّات القلوب.
قَطْــــــــــــــــــــع
* روائي من السودان