نقش على خواء الجسد

خارج الإطار:
تحاول أن تفتح فمك بكلمة، لكنك تتذكر بأن عليك أن تكف عن هذه الحماقات البليدة، التي يمارسها الأحياء.
لا تذكر متى خرجت من وعائك الطيني، لأنك لا تتذكر بأنك كنت في خليط من الوحل والعرق (كنت خالياً من الماضي، وخاوياً من الحاضر، مُفرغاً من المستقبل).
بتشويش لدنٍ وغريبٍ، ترى من خواء الذاكرة أنك انقسمت إلى نصفين.
جسدك الخاوي الذي هوى في لزوجة الطين، بلسان متجمد أخرس، وتبعثرت منه الكلمات عارية إلا من نحيبها الصامت، وكفَّت عن الثرثرة الفارغة، وروحك التي ما فتئت تنحت بمطارق وأزاميل، من غبار برزخي في السديم، معنى لوجودها مع كائنات لا تُرى، شفافة ومائعة في كثافة لا نهائية.
الهواء ليس هو الهواء.. خفيف وسرمدي.. الأرض تبدو كنقطة بعيدة في مجرة نائية.
ليس ثمة شيء سوى غيوم هائلة من اللاشيء، ترفو في الفراغ طبقاتها المتراكبة، وتنقل نميمتها بين الصمت والعدم.
أنت الآن تحلق بوهم محايد، تطير بلا أجنحة، تلاحق بؤرة ضوء مكللة بهالة شفافة، سامقة وبعيدة.
داخل الإطار:
جليسي في مقعد الحافلة، لا يكف عن الثرثرة في أي شيء.. عن الفستان المرقش للصبية التي صعدت قبل قليل صحبة أمها من المحطة الفائتة..وعن قبعة السائق الضخمة ذات الأربطة الملونة.. وعن شاربي الكث المصفوف بعناية.. وعن.. وعن.. تعليقاته مُسطَّحة وجوفاء تشبه الهذيان.
تزعجني رغباته المتناقضة.. قبل قليل طلب مني إغلاق النافذةوهو يتجاوزني ليفتحها، ويبصق كتلة من الدم على جسد الأسفلت المرقع، أخنس وجهي للخلف، متفادياً نثارها الأحمر الفاقع.. يترك النافذة مفتوحة ثم يطلب مني إغلاقها مرة أخرى، متفرغاً لثرثراته السمجة، واللانهائية. وحين عبرت الحافلة بالقرب من المقبرة القديمة.. طوى ثرثرته تحت لسانه الألثغ وطفق يقرأ الفاتحة على سكان المقبرة.
وحين تجاوزنا المقبرة القديمة، كَفَّ عن كل شيء، ووضع رأسه الثقيل الأصلع على كتفي. كنت ضجراً من تصرفاته الرعناء هذه، نبهته بأن يسند رأسه على المقعد أمامه، وبدلاً من أن يستجيب لتذمري، ولو بتذمر مضاد؛ سال من فمه الفاغر خيط من لعاب أصفر.
ها هو على كتفي بلا ثرثرة، امتصه الفناء بغتة دفعة واحدة، مثل حساء بارد، كأن الموت قد قام بزيارة لتفقد أحد رعاياه في هذا الكون الفسيح، وياللمفارقة! فقد كان هذا الأحد جليسي في مقعد الحافلة.
خلف الإطار:
انتشلته من دائرة بؤسه المقيت، كسرت حلقة تشرده الشريرة النزقة، انتزعته من أقاصي المفاوز، كان منذوراً للضياع والتيه،مُهملاً مثل عصيفة الريح ونفايتها. آويته في حضن داري الفسيحة، أغدقت عليه بنضارة من رغد العيش ونعيمه، بدَّدت جوعه، ونثرته للعدم، ولما استوى عوده واستقام في الشبع، أغويته فاستجاب. اتخذته غطاءً لي أمام الناس، أسلمته صولجان مُلكه الوهمي، أوهمته بأنني ملكه وحده، يقضي النهارات ينهى ويأمر، كيف يشاء، وحين يمد الليل رواق ظلمته أنير لعينيه الأركان الخبيئة عن آخرها، أفتح له خزائن الجسد ليلقي عليه ثقله كله، يتمرغ في نعمائه، يروي ظمأه الحارق، ولما تنطفئ براكينه، وتهمد نيرانها، يتمدد هادئاً مثل قلس البحر على الشاطئ، ليستغرقه النوم حتى فيقة الضحى.
كسرت شوكة كبريائه.. مسحت أنفه بالرغام.. لم يتبرَّم.. وكلما أبديت تذمراً مفتعلاً، يُبدي خضوعاً غريباً، يستعطفني أنلا أغضب، ويستجديني أن لا يفعل ما يغضبني. ولما استقرَّ في الإهانة،واستكان للذل، أيقنت أن لا مفر مني، ومن حبالة فخاخي، التي نصبتها له في كل مكان.
أخبرته بأن توسلاتي لدى ابن خالتي الذي يعمل مديراً لمؤسسة مرموقة، تكللت بالنجاح، فوافق على تعيينه بمكتبه في وظيفة محترمة.
ولما انهمك في الوظيفة الجديدة، تفرَّغ جسدي لشأن شهواته المحرمة، واللذيذة في الآن ذاته.
أمام الإطار:
قالت إن المكان والزمان، ينوءان بحمل شقيقها الذي يرزح في بطالة مُقنَّعة. ولما كان الحال كذلك، فلا سبيل من اقتناص لحظة صفاء تضمُّنا، نتنزه عبرها في أروقة مملكة الجسد، إلا بوظيفة تشغله وتلهيه عن مراقبتها.
أذعنت للأمر، فمنحته وظيفة هامشية في مكتبي، وما كان بمقدوري أن أفعل،لولا أنني أزحت ثلاثة من الموظفين عن طريقي، وحجَّمت نائبي في حدود معينة، ثم قلصت صلاحيات رئيس شؤون العاملين؛ حتى يتسنَّى لي استيعابه في تلك الوظيفة الهامشية.
خارج الإطار مرة أخرى:
أنت الآن لم تكن معك، لأنك لن تقدر على موسقة رعشة كانت لك، تَبَعْثُرُكَ في شظايا على مزاج الهباء، يجعلك في أمكنة عديدة، وأزمنة شتى دفعة واحدة، فكيانك بلا ضد.. مجرد من التصنيف.. معصوم من النقائض.. معصوب النزوات.. لا تدري إن كنت مبتهجاً أم مكتئباً، تلتبس عندك رغبات مبهمة بصفات لا قرار لها.. تنفض جناحك المتوهم من بلل رذاذ غامض، تحدق بلا عينين، في ذاكرة تسبح برغوة سديمية، تراها تعيد رتق حكاية غابرة، بكلمات لا تشير إلا إلى نفسها، في سجال صامت، وقوام غامض المعنى، غائر الدلالة، مثلما يحدث حين تنحني الطلاسمعلى بعضها، ثم تنشطر رخوة على غموض أسرارها.
أنت لم تكن كما كنت قبل قليل، متلهفاً إلى جسد يضمُّك، فقد تقشَّر كيانك الخارجي بشحمه ولحمه وعظمه عن روحك، وانقضت عنك المعاني وفارقتك في مكان بعيد، ثم لوَّحت بكف من الغيم، تتلاصف أنامله المبتلة تحت الرق، فترى لوحة سائلة، تدخلها دون استئذان. وفي فناء اللوحة الخارجي ترى امرأة الغواية ترتدي ضباب الخديعة، ثم تزجي أكاذيب منمقة، ولا تكف عن الحيل، حتى تطيح بجسد كان لك في متاهة الغواية، فتستهويه اللعبة، لينصاع في النهاية لوهج الكلمات.
في بهو اللوحة، يلفت انتباهك الرجل ذو الشارب الكث، وهو يرمي بيمين الطلاق على امرأة الغواية، ليساوم خُطَّابها الجدد على مهر كان قد دفعه لها، وإلا فورقة الطلاق عصية على الخروج. وفي جانب آخر من بهو اللوحة ذاتها، تراه يعيد الكرة مرة أخرى، فيراود صبيَّة بضة ترتدي فستاناًمرقَّشاً، وتضع على رأسها العنيد قبَّعة بأربطة ملوَّنة. ولما لم يستطع كسر عنادها، يخدع أمها ويسوم فلذة كبدها لمدير المؤسسة، ليقبض ثمن نذالته كقواد تافه وحقير.
في الرواق الداخلي للوحة، حيث تتشابك الخيوط وتتقاطع،مثل بيوت العناكب، تستمع لترهات وأباطيل امرأة الغواية، وهي تروي لصويحباتها حكايات ملفقة عنك. تقول إنها انتشلتك من براثن جوع كاسر، والعكس الذي اكتسى ضباب زيف حكاياتها، وأصبح المطلوب هو الطالب، ثم تكتشف في نهاية رواق اللوحة عند الخطوط الواهية، أنها ادَّعت لمدير المؤسسة بأنك شقيقها، واحتوت عقلك بكذبة حامضة، قالت فيها إن مدير المؤسسة هو ابن خالتها، ليكتشف كلاكما أنه يلعب دوراً هلامياً على ذاته المخدوعة، فتنفجر أنت غاضباً على كرامتك المهشَّمة،وتزمع الانتقام للمكانة المهتزَّةوالشرف المهدور.. ويخاف هو على المكانة الاجتماعية المرموقة، كمدير لمؤسسة معروفة فيُقدم بالخسة عليك.
وفي كواليس اللوحة، ترى امرأة الغواية، ومدير المؤسسة، ينحازان لبعضيهما.. يتهامسان ثم يقرِّران إنهاء المسألة بهدوء تام.
في الصباح الباكر، تعتلي صهوة عزيمة لا يدانيها الانكسار، وتقرر وضع حد لهذا الخزي الماحق؛ ولكن امرأة الغواية بألاعيبها الماهرة، تحاول ترويض خاطرك المتفحم بكلمات غنجة، وتضمك على صدرها اللبون بشدة، ثم تقدم لك حساءً تدرك تماماً أنك لا تقوى على مقاومة نكهته النفاذة، خصوصاً عندما يكون بارداً، تحتسيه بتبرُّم ضالع، وتخرج لا تلوي على شيء سوى الانتقام عينه.
في الحافلة، يداهم جدار معدتك انقباض حاد، وتحس بحموضة ماحقة.. تسعل باضطراد، ثم تبصق كتلة من الدم على جسد الأسفلت المرقع، وعند المقبرة القديمة تتذكر بأن روح المدير ستزهق بين يديك بعد قليل، فتُتَمْتِمُ بكلمات مبهمة كأنك تقرأ الفاتحة.
في زاوية قصية من الفناء الخلفي للوحة، ترى المدير يقرأ الفاتحة على حشد من الناس، ويختلي بامرأة الغواية في همس طويل، بينما الرجل ذو الشارب الكث بمعية صبيَّة يانعة؛ يزيح صورتك من الإطار، ليضع صورةً لرجل آخر، ثم يلفُّك الضباب، تمَّحي عن وجهك اللوحة، ويهيم نظرك في اللاشيء.
* روائي وقاص من السودان