جنوب السودان والسودان قـَـدَران في مجرى الحياة الثقافية..
مقدّمة:
كنّا قد أنجزنا تقريراً مُشتركاً الأسبوع الماضي في الممر بعنوان (السودان وجنوب السودان: نيلٌ ثقافيٌّ واحد، مناخٌ سياسيٌّ مُضطرب)، وقد جاء التقرير إثر مناقشة على موقع (فيسبوك) بين المُحرِّرين في مَلَفَّي (الممر) و(الموقف) الذي يصدر عن صحيفة الموقف العربية بعاصمة جنوب السودان جوبا، حيث اتّفق معنا الشاعر والكاتب أتيم سايمون على إجراء نسختين من التقرير، بحيث يُنشر تقريرنا بصحيفتهم بجنوب السودان، على أن يمدّنا أتيم – وربما يتبعه آخرون – للإفادة في الموضوع محل الحوار: العلاقات الثقافية بين البلدين. إذاً، ندلف لإفادة سايمون في المساحة التالية.
المحرِّران
بكل تأكيد لم تنتصر السياسة، رغم أجوائها المتقلبة ومناخاتها العجائبية بين دولتي السودان، في فرض أيٍّ من تقديراتها على التفاعل الثقافي بين الفاعلين الأساسيين في هذا المضمار، أو المتفاعلين معه، نظراً لأن أجيالاً المبدعين والمثقفين الجنوبسودانيين الذين نشأوا في المدن والمراكز الحضرية والأرياف السودانية المختلفة، ودرسوا فيها جميع المراحل، قد أسسوا لتجربتهم في شتَّى مجالات الكتابة والإبداع الثقافي بمختلف ألوانه باعتبارهم جزءاً من تفاصيل المشهد الثقافي السوداني الأهلي؛ إذا كان يجوز توظيف تلك العبارة كمعادل موضوعي للرسمي الذي يُعنى بالسلطة وأدواتها وأجهزتها التي كانت – ولا تزال – تسعى لفرض نُموذجها الثقافي الأحادي على فسيسفساء التنوع الثقافي. لذلك ظهرت أسماء كثيرٍ من المبدعين والكُتّاب والمُثقفين الجنوبسودانيين، من الذين كانوا ينظرون إلى الثقافة كعاملٍ مُهمٍ في التعريف بمكنوناتهم الإبداعية الأدبية والفنية.
لقد أصبح جنوب السودان دولةً مُستقلةً وكياناً سياسياً قائماً بذاته في يوليو 2011م، لكنه سعى، أول ما سعى، وعبر وزارة الثقافة بصورة رسمية؛ إلى توقيع مذكرة تفاهمٍ مع نظيرتها السودانية من أجل تكريس التبادل الثقافي والفني، وهذا مؤشرٌ إيجابيٌّ على الرغم من شكله البروتوكولي الفوقي، لكن تظل الحاجة إليه قائمة لوصل الجهود المُبَكِّرة التي ابتدرها المثقفون والكُتّاب في البلدين، وهو استمرارٌ لجهدٍ وتعاونٍ قديم بدأ في أزمانٍ خلت، فامتدت إلى ما هو أبعد من مجرد الاهتمام بالثقافة كقضية وحياة كاملة. وقد أثمرت تلك التجربة في التعاون عن ظهور تجارب إبداعية لجيلٍ جديدٍ من كُتّاب جنوب السودان؛ حيث ظهرت أعمال آرثر قبريال ياك واستيلا قاتيانو القصصية في بداية تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب انطلاقة تجربتنا المُتواضعة في الجمعية السودانية لحوار الثقافات التي كان يقوم على أمرها أساتذتنا الكبار بروفيسور مهدي بشري، ومحمد عثمان مكي العجيل، وكان يصدر عنها ملف أسبوعي بصحيفة الأيام بذات الاسم، وكانت تلك نافذة أولى رأت من خلالها كتاباتنا في الشأن الثقافي النور، هذا إلى جانب الزاوية الثابتة لزميلنا الراحل المقيم قبريال هلري مليك “سودانيات”، واستيلا قاتيانو، هنا توطدت العلائق بشكلٍ أعمق مع عثمان شنقر والصادق الرضي من خلال النشر الثقافي عبر ملف صحيفة الأيام.
لطالما كان الفعل الثقافي عابراً للحدود، ومُنتمياً للإنسانية في معناها الواسع الفسيح، فإنّنى أرى بأن تجربة جيل الكُتّاب والمُبدعين الشباب في جنوب السودان، والذين استطاعوا – برغم الظروف المُحيطة بهم – تحريك جمود الساحة الثقافية في دولتهم الوليدة، وتأسيس مُنتديات وجمعيات تهتم برعاية المواهب الشابة وتقديمها للجمهور من خلال النشر أو ساحات العرض المسرحي؛ كما هو الحال مع (صالون كوربندي الأدبي)، (جمعية قطيات)، (جمعية الأمل الثقافية)، (فرقة جنوب السودان للمسرح)، هذا إلى جانب إصدار ملفات ثقافية مُتخصِّصة في الصحف اليومية الصادرة باللغة العربية مثل (الموقف الثقافي) الذي يصدر عن صحيفة الموقف العربية، بجانب صحيفة الوحدة، الوطن والمسار، والتي تهدف مجتمعةً إلى التعريف بالمكونات والقدرات الثقافية في جنوب السودان من خلال تقديم أسماءٍ وأعمالٍ جديدة لكتابٍ وباحثين من جنوب السودان.
هذا الوضع المتشابك ثقافياً، أفرز، بطبيعة الحال، جيلاً واحداً متكاملاً في تجربته الإبداعية في جنوب السودان والسودان، لم تَفصم عرى وشائجه السياسة وتقلباتها وأعطابها المربكة، فاستمر في تواصله من خلال الحوارات المتصلة بينه وحركة النشر الإلكتروني، وقد لعبت مجلة البعيد الإلكترونية دوراً كبيراً في الحفاظ على ذلك التواصل؛ فتجد أعمال استيلا قاتيانو، بوي جون، قرنق توماس، ريجويس استانسلاوس، أتيم سايمون، نيالاو حسن أيول، ملوال دينق، مارتن وده ميان، آرثر قبريال ياك، وتعبان لوليونق، وغيرهم. كذا هو الحال بالنسبة للملاحق الأدبية التي تصدر بصحف جوبا وهي تُتحِف القارئ بالأعمال القصصية والشعرية والمقالات الأدبية والأخبار الثقافية المتعلقة بالمشهد الثقافي في السودان.
هذه العلاقة الثقافية لم تشهد أيّ نوعٍ من الجمود أو السكون منذ أن استقلَّ جنوب السودان قبل ستة أعوام؛ بحيث استمر تبادل الزيارات بين المبدعين والمجموعات الفنية والكتاب، والتي خالفت توقعات الكثيرين من الذين كانوا يرون أن علاقاتنا محكومة بالسياسة وتفاعلاتها؛ فالحفاوة التي وجدتها زيارة مجموعة عقد الجلاد، الأستاذ شرحبيل أحمد، محمد طه القدال، الأستاذ كمال الجزولي، وأخيراً زيارة الكاتب الروائي عبد العزيز بركة ساكن الذي يكاد يكون قد التقى بجميع سكان مدينة جوبا فرداً فرداً، وتلك واحدة من الإنجازات الكبيرة لدار (رفيقي) للنشر التي ستقوم بطباعة جميع أعمال الكاتب تقريباً من جوبا، التي لن تكتفي بتصدير البترول ولاعبي كرة القدم فقط بل ستصدر منها العديد من الأعمال الأدبية لجيل جديد من الكتاب في دولتي السودان، وتلك حلقة مهمة للربط الثقافي المتجاوز لعلائق السياسة والمتدفق كنهرِ النيل العظيم، أو كما يقول الشاعر.. (هما قدران في مجرى، تبارَكَ ذلك المجرى).
إذاً، فهل هناك خارطة للمستقبل لدعم هذا التعاون وتدعيمه للمحافظة على هذا التعاون والتبادل الثقافي للإبقاء عليه كشرط للحياة كما أفتى بذلك صديقنا عمار جمال؟. هذا ممكن، من وجهة نظري، بتفعيل برنامج دوري للزيارات المتبادلة بين الكتاب والمبدعين من البلدين، والأهم من ذلك كله هو تأسيس منبر أو فعالية ثقافية تجمع بينهم، وهذا من شأنه أن يساهم في التعرف على الأعمال والأسماء التي ظهرت مؤخراً في المشهد الثقافي المشترك في تقديري.
ينبغي علينا – في ختام إفادتنا القصيرة هذه – أن نؤكد على جوهرية الثقافة وقدرتها في امتصاص صدمات التخاشن والمزاج المتقلب سياسياً في مختلف الفصول، والملاحظ أيضاً هو أن شتاء الثقافة جاء مختلفاً هذا العام بالنسبة لجوبا والخرطوم، جاء عامراً بالكتابة، حيث صدرت رواية (جنة الحفافيش) لبويي جون أوانق، وهي باكورة إنتاج هذا الموسم الثقافي في جنوب السودان، والتي صدرت في إطار منحة (آفاق) للكتابة، ونتوقع في هذا الصدد أن تصدر عناوين جديدة من دار (رفيقي) في مجال الشعر لنيالاو حسن أيول، أتيم سايمون مبيور، جون قاي يوه ومطيعة محمد أحمد.
* شاعر من جنوب السودان
* تم نشر هذه المادة تزامناً مع ملف الممر الثقافي الذي تُصدره جريدة السوداني.
