ثمار

استيلا قايتانو شرح المتن

أ. عبدالله ابكر

منذ تعرفتُّ على تجربتها الإبداعية في مجال القصة القصيرة، ظلتْ إستيلا مُخلِصةً لمشروعها ومنحازةً لرؤى الكشف والتغيير والتجديد.

غير أنَّي في هذه القصة بالذات أحسستُ كأني أُتابع فيلماً توثيقياً وفرتْ لهُ إستيلا كُلَّ عناصر نجاحه.

تحت العنوان/ الصرخة “إني خائفة” أغرتنا إستيلا قايتانو للولوج إلى عالمها العجيب المُركَّب من القص، الحكي، السرد عبر محمول اللغة البسيطة المباشرة التي تتجدد فيها الإيحاءات والمضامين لحد الغنى والإمتاع.

في تقديري أن الأسلوب الذي تتبعه إستيلا في انتقاء واختيار شخصياتها القصصية أشبه ما يكون عندي بالمثل القائل: (مسكين ضُقل). والضُقل هو ما يتبقى من جذع الشجرة بعد قطعها، فلم يَعُد يعبأ به أحد، اللهم إلا إذا تعثر به المارة، وحينها يشعرون بوجود الضُقل المنسي.

أوردتُّ هذا المثل لأُدلل بأن الشخصيات القصصية التي تبتدعها إستيلا في أغلب أعمالها هي شخصيات بسيطة، معزولة، منسية، مهمشة ومقهورة.

تستطيع إستيلا عبر تقنياتها ووسائطها الخاصة تحديد معالم شخصياتها بكل وضوح مُلتزمةً بتأكيد المعاني والعمق الإنساني لهذه الشخصيات.

أحياناً تستخدم الإكسسوارات والألوان وتدرجاتها لإيصال الرسالة والمضمون. “احتضنت حقيبتها اليدوية المصنوعة من السعف بألوان قديمة باهته، مرتدية فستاناً أسود سواداً حرقتُهُ الشمس حتى الاحمرار يوحي بحزنها القديم المتجدد”.

نلاحظ أن إستيلا لا تلجأ كثيراً لخلع أسماء على شخصياتها القصصية، بل تستعيض عن ذلك بأسلوبها الخاص مستخدمةً الإيماءة، الإشارة، لغة الجسد، والمونولوج…إلخ.

“أما هو فكان هنالك تتحرك عيناه مراقباً يدها وهي تحتضن الجنيهات كأنها تحتضن شيئاً مقدساً”.

“تفجرت في رأسه أكثر الأفكار شراً وأنانية، لقد قرر أن يستولي على ذلك المال بأي ثمن”.

وهكذا نظل نتقافز بين لوحات الأحداث الزمانية والمكانية بأسلوب إستيلا الرشيق ولغتها الموحيِّة المقتصدة بعيداً عن الترهل والانبعاجات.

وتهتم إستيلا بالبعد السيكولوجي للشخصية مُعبِّرة عنه بأساليب مختلفة.

ما بين الرغبة الجامحة والرفض الفجائي الذي يصل حد الصدمة:

“أعجبها فستان زاهي الألوان تخيلت نفسها وهي ترتديه مستعرضةً أنوثة دُفِنَتْ تحت الثوب الأسود ومعها دُفِنَتْ كل أفراحها، وأصبح جسمها مقبرة لغرائز ما زالت مُتَقِّدة. فكَّرت لحظة في شرائه لكنها أحسَّت بوخزة تخترق ضميرها عندما تذكرت زوجها، أعادته بسرعة كمن اشتعل شيء في يده”.

سيناريو الخوف:

كأن اللوحات التي أنجزتها إستيلا بكل تداخلاتها وتقاطعاتها كانت مُكرَّسة لخدمة السيناريو الأخير بظلامه الدامس وهواجسه وأشباحه التي تملأ المكان رعباً والقلب خوفاً. “فجأةً سمعت طلقة قرب الباب، صرختْ وصرخ أطفالها في رعب من شهد القتل من قبل، نادت على الجيران ولكن لا أحد يخرج بعد سماع دوي الطلق الناري”.

ما أقسى لحظات الضعف الإنساني المُدَجِّنة للعقل الجمعي وهو ينوء بحمل أوزار جبنه وعاره. “تموت أرملة وأطفالها خير من موت الحي كله”. “فقد صرخت وأطفالها حتى بحَّ صوتهم ودوي الرصاص في بطن بيتها ولم يسأل عنها أحد حتى الآن”.

ففي خضم هذا الهول العظيم تتشكل لحظات حاسمة ربما من مشهد معيّن أو أي مثير آخر يُسهِم في تفكيك الشفرة واتخاذ موقفٍ مغاير. “احتضنتْ أطفالها الذين كانوا يرتجفون من الخوف، أما هي فقد كانت ترتجف من الغضب بالذات عندما نطقتْ أصغر طفلاتها بهذه الجملة، أمي أنا خائفة”. أعتقد أنها الجملة الجوهرية التي أحدثت انقلاباً كاملاً على المستويين الذهني والعاطفي لمجابهة ظلام المدينة وظلام أهلها. “كانت تفكر في شيء يجلب لها المال بأسرع ما يمكن، حتى ولو تبيع نفسها ولكن: ليس لتُلحِق أطفالها بالمدارس، وليس لتشتري مؤونة تكفي الشهر، وليس لتشتري بودا أو التفكير في تجارة تقيها وأطفالها شر مد الأيدي للناس. إنما لتشتري سلاحاً لتدافع به عن نفسها وأطفالها في مدينة مظلمة وظالمة”.

* كاتب من السودان

زر الذهاب إلى الأعلى