ثمارغوايات

π نق2

عبد المنعم حسن حاج

المهام العظيمة التي يجب على عم هاني أن يؤديها للبشرية غداً، عليها أن تنتظر قليلاً.
شغفه لا يؤدي اليمين لتجاعيد  تعوق كهرباء الرغبة
الرغبة التي تتوسط إحداثيات منامه كحلم مقيم.
عارياً يستقبل بنصف قطره دائرة المساء
بكذا امرأة يرفع الغطاء
يعتلي سطحه
رأسه وعنقه في موضعٍ واحد
يمشط بحواسه صدر العالم
يتكئ في حضنه
ويعلن عن جموحه
يتصفح شهوته ببطء شديد
صفحة صفحة كصحيفة من دخان
الدخان بطبعه انتهازي بإحكام
ينتهز الدخان لحظات تثاؤبه ويغمض عينيه
ينام في كرياته
يشاطره هذيانه
ويتناول معه فول أحلامه المبسترة.

المرأة التي تطلق في مسامها 3,14 سنة من النساء
غالباً ما تنسى  يدها في قلبه
وحده ومماساها عاريان
موسومٌ بفرجالها يئنُّ معها في القاع
يتسلى بفحم لا يلتهب.
الغطاء تحته لا يستجيب
ينزاح جانباً
ترتطم يداه بكرسي عليه أشياؤه العظيمة
الأشياء التي تنتظر من أجل عيون البشرية.
يعتصر ألم الارتطام
يسن أظافره جهة المرأة التي تكشط مذاق وحدته
يلعق ما يشتهيه البصاق في زواياها.
متأهباً يتثعلب الزائد من الأطراف
يمزق سواره عميقاً..
عميقاً  حد  الانزلاق.

22÷ 7 امرأة
وأخرى تكسر صحون الاكتفاء
فتخرج عن مساحة دائرته ككل النساء .

أنفه يهدم نصف ملامحه
يقضم ثلث ابتسامته
يستنشق رماد فراشه
الرماد العاجز عن استدعاء امرأة حقيقية
امرأة تمضغ لبان الأهوال والهمس
امرأة تفتح حساباً في بطين حاجتها الأيسر
تستورد زينتها عبره
وتدرك أن البهاء هو :
ما لا  تقبله المستشفيات وترضى عنه.

امرأة تشبه رميساء
أحلامها هي أحلامه
وأهوالها ليست بكوابيسه.

امرأة تتأين فوق تلٍ من الحطب
ولا  تحسب مولاريتها وفق فواتير:
الكهرباء
الماء
النفايات
وتهبه بشهوة خاطر كل المولات بالجرام

امرأة تعرف:
متى تفرك صمت الكلام
ولا تكف عن الابتسام
امرأة تنهب شرف الوقوف معها
بجوار حائط الاحتفاء.

مدخلها مدخل ضيق
حيطانها طين  ملطخ بمخلفات البعير
نافذة رطبة
باب حديدي
وسرير يتيم.

قطرات من سائل  السماء
تفتتح بلا تعظيم مهرجان الهطول
الغطاء يكتفي بثلث هيكله العاري
قطرات  الماء تتسلل عبر القش
تنزلق عبر  لسانه وتستقر في القاع
يمتلئ الفم بماء المطر
الماء يكتم نفس الشخير
يتكئ على مؤخرة رأسه
يدحرج جسده جهة اليمين
الوسادة تتعرى كعنق مناضل
يختلط اللعاب بماء الطين.
الماء ينخر الجدران
الناموس يعلن عن ابتهاجه
ويطلق شحنة زغاريد
السحب تصادر ثقوبها وتختفي.

شعاع شمسي جريء
يفتح جفنه  ليرى تفاصيل الأشياء
كتائب من الذباب تحاصره
تحمر أوداجه
يرسل نظرات تائهة
يكتشف:
أنه كان مستلقياً في الفراغ منذ البارحة
ماء المطر نسيّ سمة الجريان
الباب ليس في مكانه
النافذة تضحك أسفل أذنيه
الكرسي منكفئ
الحذاء يروى ظمأه
المرأة التي تختصر في رائحتها نساء الأرض
تشهر في وجهه جوازاً للخروج.

كمقبرةٍ فرعونية يتحرك من مكانه، يربت على خزانة الصفيح. يدخل نصفه داخلها، يتمكن من استطالة المعجون. يمرر فرشاته فوق وتحت لـسانه، يحكُّ أسنانه كمن يمرر مكواة فحم, تتقرح لثته، يمسح دمعة هاربة. يتذكر رميساء وبيتها الآيل للسقوط. يحدق في قدميه، يهمس :
•    لن تعترف رميساء إلا بعم هاني شاهداً على فجيعتها.
يضع أولى خطواته خارج عتبة البيت. ترك الناس بيوتهم العائمة وتراكموا كأغصانٍ صغيرة في العراء، التفوا جماعات جماعات يرسمون بأكواعهم مثلثات غير متساوية الأضلاع مع خصورهم الضامرة. يشعر:
بصمتهم الـمخيف
القاتل
الكامن بين غبن وغبن
وبين انطفاءة وانطفاءة
يعـدو على ترابٍ زلق.
الناس تنظر إليه من خلف ضباب سميك
فتيات جميلات بلا رضا يستر الرؤوس
وصبيان في عمر التفاؤل
يرمون في غضب ظاهر مكانس القش تحت رجليه
يرفعون لافتات كُتبت على مهل.
تتقدم أكثرهم سخطاً وتدفق
تدفع ناحيته بروزاً نافراً:
–    كيف لنا أيها المسكين أن نكنس الماء والبعوض
ولا غبار اليوم كما ترى غير غباركم
لماذا لا تذهب وتقود حياة سيدك
كما تقود له سيارته؟
تعيد إنتاج سقوطه في بركة من العمى:
–    لمَ لا يمنحك سيدك امرأة لديها كرسي متحرك لأعلى، علّ وأنت في  خريف ضمورك تكفُّ عـن لهلهة أعضائك. ألا تريد رؤية سطح الحياة أيها البائس؟
لماذا لا تتعلم هذه البشرية الصبر، وتكف عن مضايقته كأنه هو من تسبب في كل هذا الخراب؟
أقل من ساعة ويحدد سيده مصائر الناس.
الأصوات تتجاور، تتشابك.. تستقيم وتنحني:
–     عم هاني البائس
–    هاني الوحيد
–    هاني المعزول
–    هاني الكاتب
–    لمَ لا يرمي علينا قوادك الأكبر إسفنج الأقاشي من شرفته؟
–    هم.. م.. م.. هم.. ما أطيب ابتسامات السائق المغمورة في طست الغسيل.
يقرر إزاحة موعده مع سيده حتى يتفقد أحوال صديقته رميساء، وعلى خطاب سعادته أن ينتظر قليلاً.
يقترب من منزل رميساء
المكان لا ينتمي للمكان
الحيطان غير الحيطان
الأثاثات متماسكة ومغسولة
الستائر ناعمة ونظيفة
الأرض لامعة ومستوية
الكتب
المجلات
المجلدات
الصحف
جميعها وضعت بعناية وفق الترتيب الأبجدي.
ولكن كيف تبدل الحال بين يوم وليلة؟
يسنُّ حنجرته:
–     رميساء.. رميساء.. رميساء..
لا شيء غير الصدى
–    رميساء.. رميساء.. رميساء..
الغرف تبدلت
هدمت ثم بنيت من جديد
الأثاثات جديدة ومستوردة من الخارج
الأبواب مفتوحة على مصراعيها عدا غرفة واحدة.
يدير مقبض الباب
لا يصدق ما يراه:
ذابلة حد الموت، منكفئة رميساء
سيده الذي تنتظره البشرية لتبتهج، جالسٌ بجوارها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.

رميساء..
لا شيء يجعلك تترك منزلك خلفك غير الموت
وها هو سيده يمنحك الموت.
فكيف له في ليلة واحدة ممطرة أن يقتلها ويغير ملامح المكان.
الموت وحده هو الذي يهب الخنوع
له أهازيجه
خطواته
ورتبته
كل النجوم تستلقي الآن يا رميساء فوق كتفيك
يا من كنت تقتسمين مع السماء تمر التسامر
نامي يا امرأة ولا تدعيه يرى وجهك النير.
كأنه خارج من حظائر النسيان، شعر عم هاني بأن لليل حزن آخر، ولن ينتظر ليلاً سواه. تلاشى ذعر المسافات بينه وبين سيده، واعتزم ألا يبصق فوق قبر هذا المتسلط غيره.

*كاتب وروائي من السودان

زر الذهاب إلى الأعلى