سهو

الفتاة الجالسة قرب حقيبتي حيادية اللون، تلتقط بعينيها ازدحام الطريق، لا شيء فيها يغري الانتباه، سوى سهوها في الفراغ.
أنا في موضعي “الأقرب إلى الممر.. الأبعد من نافذة الذكريات” يقتلني الفضول لأرى خبيء ذاتها.
مرت دقائق، وهي في حال التقاطها للأحداث – أعني بعينيها – وأنا في ذات التململ.
ملت بجانب حقيبتي حيادية اللون؛ أبحث عن خواء ما داخلها.. أستدعي فضولها، لم أجد سوى طلاء أظافري بلون الزهر.. ونحن في ذات الموضع “في مركبة قاربت التلاشي في الركاكة”.
أخرجت طلائي بلون الزهر، تعمَّدتُ انشغالي بصعوبة فتحه.. علها تعيرني نظرة أبصر فيها ما ظننته – بحدسي المشكوك فيه – حزناً.
لهنيهة لم تزدها، التفتت إلى ما بيدي، حدقت إلى شامة في إصبعي الصغير “أعلى الظفر تحديداً”، لم ترف بعينيها الزجاجيتين، داهمتها قائلة: “متوترة أنا.. دون العادة لذا نسيت الطلاء”.
لم تكترث..
“كتحسين للوضع.. لنقل لم تسمعني”.
عاودت إرجاع الطلاء، بتأفف خفي.
ويدي داخل حقيبتي حيادية اللون، اصطدمت بحلوى أخرجتها بخفوت، مسحت ورقتها الخارجية برقة، تذكرت يوم أهداني إياها شاعر خبير في التناغم.. لا شيء ممتع بها – أعني الحلوى – لم تكن بطعم الشوكولا الذكي، لم تكن شيئاً قط.
تعمدت إظهار صوتي قليلاً: “تفضليها..”
أخذتها، لم تشكرني، لم ترد حتى بابتسامة، جل ما فعلته أنها وضعتها في جيب سترتها “ترتدي سترة رمادية وبنطالاً بلون الأتربة الجافة”.. عاودت السهو.. عاودت تظليلي بحاجز اللاتبادل.
بين من يعرفني لم أكن يوماً مرتادة للعلاقات العابرة؛ علاقات الدقائق المارة، لم أكن أرغب في التحدث مع أحد أياً كان هذا الأحد، أراني هذه اللحظة في موضع مثير للشفقة، الفضول ينخرني، أراني أتخير الفرصة لألتقي بعينيها، عينيها خبيرتي الاختباء.
ونحن في ذات وضعنا الكئيب، رنَّ هاتفي “كنت مشغولة بها.. بفكرة تخرجني من صغري الروحي.. من بهتاني بجانبها.. كنت أراني ضبابية.. طريدة الفضول.. لم تكن رغبتي تعنى بمعرفتها لحياة، كنت أرغب فقط بمحادثتها.. لدقيقة.. أو علّنا نضحك لثانية فقط.. كلِّي وعينيها الزجاجتين”.
الفتاه قرب حقيبتي حيادية اللون -التي لا اسم أتبينه لها – لم تحادثني! فقد أمعنت النظر لحقيبتي، للصوت الخارج منها، للاهتزاز المزعج بيننا، أشارت بيدها إلى الحقيبة..! وأنا بكامل الخبول، مددت حقيبتي نحوها “كأني أقول لها.. ترغبينها.. هي لك”.
لم أفهم إشارتها ولم تستوعب – أقصد الفتاة – استغراقي في تفسيرها..
توقف الهاتف – أو هكذا بدا – عاودت التحديق للمسار المعوج، الكائنات القابعة في الخارج، المنازل الطائلة في الاعتيادية.. حاولت التأمل في ذاتها الزجاجية – كعينيها تماماً – لم أجد سوى الحاجز عينه، حاجز التبلد الحتمي..
كانت تقبض لحظة تخص ذاكرتها – لا أدريها – تشهق ببطء، وكأنها تستلذ بالتنفس، وأنا في مقعدي قرب الممر، أقارب على انتهارها بغيظ..
قطعنا نصف المسافة، مسافة يقظة الصمت الجريء، في أذنها اليسرى يوجد قرط أعلى الأذن، رقيق كصيرورتها الحياتية.. همست داخلي: “لو أن لها حبيباً، سيبحر في قرط أذنها نثراً، تميمة الحس العاطفي”..
تحمست داخلي لحبيبها ذاك المتخيل: تقرفص قربها، همسها له أن “أحبك”، تخيلتها تغار عليه، تجفل لغيابه تخيلتها كنجمة الفجر الأزرق ألقاً..
فكان أن قلت: تحبيبنه بشده.. صحيح؟!
ترقبناها “أناي وتراكمي الخيبي” نظرتها وهي في غرقها الخاطري، التقيت بعينيها – لأول مرة – ارتبكت، حتى خلت أن مفاصلي تنحتّ عن موضعها، لم أقوَ على عينيها، بهما طمس للهوية، أخفضت طرفي..
ما تبقى من صوت تناولته بحرج: هذا شهر مولدي؛ أبغضه تصرفاتي خارجة عن توازني..
ابتسمت – لأول مرة أيضاً – وددت لو أن ذاكرتي تقف – عندها – عند ابتسامتها غير المفسرة، تعابيرها الكلية.
هنا، وصلت لمحطتي البعيدة، تحاملت لأقف، شعرت وكأني تركت جزئي الأكبر قربها، حيثي الأعلى..
أحسست برغبتي في إكمال طريقي معها، إلى حيث يقف الضوء لطيفاً.. طائعاً للجسد..
رفعت حقيبتي حيادية اللون، وذاتي المليئة بالخيبة..
عند نزولي ترددت، أنظر ناحيتها كآخر تجميد لها داخلي؟! أستغرق منها مرونة الفضول قبل تزاحم عيني بالبقية، بقية البشر عداها..
ناظرتها.. كانت ما زالت بابتسامتها الأولى تلك، حين أخبرتها بمولدي..
لكني لم أبتسم، لم أفعل شيئاً سوى الصمت، أدرت ظهري لأغيب.
باغتتني بصوتها عالياً: “أحبه.. بوضوح”.
*كاتبة من السودان