مصير الاستعارة
كم ستتحمَّل الفضة كسلَ اللغةِ ؟
تلك الاحبولة اللغوية، في سيرتها منذ فجرها الصَّاعق بالمفارقة الثنائية، والتي سيراها المعقَّد بالتراكم “ساذجة”، وستكون كذلك فعلا، يصدف إلا تكون بتلك السذاجة.لتبيِّن أن ترهُّل تلك العلاقة يأتي أولا من كسل المنتج، أو الإخفاق في الحلول في الحركة، وهو إخفاقا واقعيا أكثر منه حقيقيا، إلَّا أن المفارقة نفسها قد تقع في السذاجة وذلك بحسب هدفها، فإذا انقاد الهدف لخدمة ما ترجوه المسئولية الفنية (الأدبية) فانه سيجازف حتما في الوقوع في خدمة السَّاذج. إنَّ جدية الهدف و فلسفته (حكمته التي هي الأداة المُعمّرة) هي عامل أساسي في “واقع” تلك الحركة، و بغض النَّظر عن “حقيقيتها”. ستتعدى الاستعارة في “الواقع” ، “الثنائية” ،”الاصطلاح” بحلوله في تلك “الفلسفة”، و باقية كما وُلِدت عليه كـ “احبولة” أدبية. ليس سهلا أبدا القول بأن “الحداثة” عالجت تلك المعضلة بحلّها أو تعقيدها، بقدر ما نقول انها قد تعمل في الاثنين معا.
يهمنا هنا تبيِّن تلك المعضلات و التي يمكن باستنطاقها امتلاك بعض الأدوات التي ستحاول “أزمة الأدب المعاصرة” أو “المحلية”. بالرغم أنَّه من الصعب العمل بالاستنطاق الذاتي أثناء عملية الإنتاج، لذا فما نقوله يمكن حدوثه ك “تمرين” لـ “لماذا”، ثم “كيف” سنعالج “ماذا” بتلك الاستعارة. هذا التمرين يمكن حدوثه في السجال النقدي مثلا أو أثناء القراءة، واهْوِل به في الاختلاء من/بـ الأدب/الفن. من المعضلات، إغواء اللا-جدية، و وسيطه، الفهم الخاطئ للفوضى ، و اللذان يحيدان اللحظة الأبداعية عن قصدها، إلى ما يشيخ سريعاً من مفارقة.
لمحاولة تبيِّن إحدى علائقها ، أنَّ ما تسهم به الاستعارة في الكلام، إنما جزيئة بنيوية، لإنجاز موقف المبدع، و الذي من عمله الإبداعي، سَحْرها لرأب صدع المصطلح. مما أنتجه التماثل الأدبي، عبر مسيرته، تفوُّق الاستعارة على فكرة أن تأثيرها هو مسافتها، في المقاربة، و التي تستنهض نوع من المفارقة، إلى تعدِّي مجرد تلك الثنائية، إلى تماثل شعاعي أكثر حرية. أنّ ما وصفه النقَّاد في العالم و أطلق عليه مسمى “الاستعارة الميتة”، هو ما سنحاولُ، بأنه “استهلاك الدلالة” بتكرار اختبارها بالتبني و النسخ. ذلك التماثل الأكثرحرية، سيعمل حتماً على ما وصفه النقاد ب “الانحراف الدلالي”،و “فائض البنية على الوظيفة”. إذاً من هنا نستطيع القول بإن إحدى إساءات استخدام اللغة، قد يأتي من طريقة استخدام الدلالات الجاهزة و المعدة سلفاً لخدمة أغراض محكومة بشروطها و لحظتها الابداعية.
مما لا شك فيه إنّ الاستعارة، موحية، و لها تأثيرها النَّفسي، كما يمكنها تجريد المفهوم من الوقت، لتعدَّه للحكمة، حين تقع بين أيدي كاتب خلَّاق. بيد أنَّ الجري خلفها و استنساخها، بعيدا عن وظيفتها الأصيلة و سحرها التأثيري، قد ينسف العملية الإبداعية، شرّ نِسْفة.
إذا انطلقنا من مفهومة أن العمل الأدبي، عالم حي يتعدى وصفه الموضوعي، بل و أبعد من الذين أسسوا لذلك، إذ سيتعدى حتماً، نمط المنتج نفسه، و كذا علائقه و توابعه من النظريات النقدية كـ “البنيوية” و “التفكيك”، يمكننا الاستفادة من نفس الأدوات للخروج عليها. بل أن عملية الإيمان و الخروج نفسها، أو ما أطلقنا عليه “الحركة” هي ما سندأب لإثباته/دحضه في عملية التنظير، و التي تقترح “حركة ما” يُطرِؤُها الواقع الإبداعي بأزمته الملازمة.
مهما سبقَت أو سُبقَت اللغة، في عملية الإنتاج الأدبي و في الإبداعي، فإنها ضرورة، أو على الأقل لن نختلف على ذلك إلى هذا الحد، الذي يعطينا الحق في محاولتها، أدواتها و احابيلها. لذا ففي محاولتنا لاستكشاف “مصير الاستعارة” بوصفها تعدٍ أو خروج على اللغة، كما سننطرَّق لاحقا للـ “أسماء” و الــ “معرَّفات” بوصفها أوعية أو أشكال لحمل “معرفة ما”، لا بد لنا في تلك المرحلة، من هذا التمهيد. في الواقع تطرقنا لتلك الأنماط لإيماننا، أن من استخدامها ماهو سئ بوضع ما يحاوله الكثيرين من إبداع.يمكننا تجربة تمرين السؤال الذاتي (كيف نريد اللغة ساعة إبداعنا/ها). و أول ما يتراءى لنا لحظة هذا التمرين، هو (نريدها عارية).
ما يلي من حاول عزق اللغة و علائقها، نقول إنَّ علاقة الـ (الاستبدال الاستعاري)، تتعدَّى التشابه المتبادل. حتَّى ما رآه بعض النقَّاد في تقوية الكتابة الحرفية للقراءة، للإقرار بالمجاز، نرى فيه شئ من التحفّظ، في فهمنا للإستعارة و الذي نراه أكثر من مجرد عمليه المحاكاة، و كسل المنتج الذي يورِّط آخَراللغة ،”منتج/متلقي” فيما ستفيض بنيته على وظيفة “الواقع”. إذاً الصراع النفسي، الذي يلهث خلف الفضاء الخيالي أو الحقيقة اللا-واقعة، التي يمكن أن تنتجها الاستعارة، لا يمكن حصرها أبدا في التراث الإبداعي، أو “المناصرة” للـ “أصيل” لمنحه حياة قسرية، هي في الواقع “موته المحتَّم، و المُعلَن”.
يأتي “فوكو” بأناقة ليقول بـ خلخلة إبعاد المسلك العقلاني، في “الجنون و الحضارة”مثلا؛. و قد جئنا به هنا ببساطة لاقتراح أن الفن/ الأدب إنما يدرك بأكثر من “العقل”، كما سيذهب بعض النقَّاد من بعده، و يستنطق بما هو اكثر من “مدرسي”، لنقدِّيم ما سنطرحه لاحقاً على “النَّقد” ليواكب “الحركة”.
أن ما يقصده هذا العَدْو من كلمة “نسخ”، هو محاولة “تطبيق” اللحظة الإبداعية سوى “النقد”. كما ناصرنا للــ “أصالة” فيما يشبه، عدم التقيد بالمقادير المختبرة أصلاً، لأنّ النكهة، لا محدودة، و أنَّ التقيد بالمقادير غالباً ما يحيدنا عن تعلَّم الطَّعم، و انصِعاقِنا برعدته الصرفة.
إنَّ ما يتم استهلاكه، هو المفهومة، بوصفها البيئة المتماثلة، عن اللحظة الأصيلة، عبر مسيرتها في التطبيق. ليس بالضرورة أن تكون معرفة، بالطبع، لذلك التغايُر بين خطابها، و الأدبي. كما أن استعارة اصطلاحية خطاب، للآخر، غالبا تضعفه.هذا الاستهلاك، منه إنساني بالمعنى البشري، و المساحة المتروكة للنظير الثنائي الطارئ في المصطلح، و المستهلَك/المفهوم/ الخبرة/ المعرفة، عبر “الثقافة” بمكوناتها على صعيد شاسع. استعارة الأدبي لخطاب آخر، ممكنُ في الفضاء الأدبي، سوى استعارةٍ كاملة للشَّكل (الإخباري، المعرفي، أو الفلسفي) مثلاً، إذ يجعل العمل في مجمله ساذجاً، ضعيف التأليف وكسِل الخَلق. إن الخطاب الأدبي لا يريد ليجعل المتلقي يجد حلوله و مآزقه في حزاقة و خذلان العِطارة و دولاب الجرِّ لقرصِ الفلاحة، إنما يرى تلك الأشياء من فلسفته و رؤيته الأدبية كعاملة في الحياة التي يسْحَر أثناء حلوله في ذاته، و متشظياً بتحدياته الحضارية،الثقافية، الإنسانية الخ و موقفه مهنا، الذي يْسلَكُ به أو/عبره للشئ الذي يكون الـ “كتابة”. ما يقع فيه الكثير ممن يحاولها، الكِتابة، ذلك الإخفاق الاستعاري الهائل، والذي يطرأ مع بداية الإفلاس الابداعي، وارتخاء المسالك اللغوية، والجمالية، كمصيرٍ مؤلمٍ للاستعارة.
* كاتب من السودان